• ×
  • تسجيل

الأزمة الاقتصادية والمصفقون

بواسطة : الأفلاج
 0  0  9.2K
image



قد أفهم احتفاء إيران بالأزمة المالية الخانقة التي تمر بها الولايات المتحدة والمجتمع الغربي عموماً؛ وقد أجد لابن لادن وهو (المحجور) في جبال تورا بورا عذراً هو يرى من حولوه إلى فأر في جحره يهتز نظامهم المالي، وتمر بهم هذه الأزمة الخانقة لتكون هذه الأخبار القادمة من بلاد العم سام ألذ ما سمعه في سنواته الأخيرة العجاف وهو لا يبرح جُحره قيد أنملة. أما الذي لا أفهمه فهو احتفاء بعض (عقلائنا) أو من يفترض أنهم كذلك - بهذه الأزمة، وتصفيقهم لها، على اعتبار أن أمريكا هي عدوهم، وعدو الإسلام.
الذي قد لا يدركه هؤلاء أن اضطراب الاقتصاد العالمي الغربي يعني بالضرورة التي لا يناقش فيها إلا جاهل أن جميع أنظمة العالم الاقتصادية، بما فيها نظامنا الاقتصادي ستهتز، بل ستترنح؛ أي أن هذه الأزمة - فيما لو تفاقمت - لن تبقى هناك، وإنما ستطال هذه العاصفة كل دول العالم، بما فيها الدول الإسلامية بكل تأكيد. فنحن كدولة - مرتبطون بالاقتصاد العالمي، يضرنا ما يضره، ولسنا اقتصاداً معزولاً كما يتصور البعض.
النقطة الثانية، والتي ربما لن ترضي المصفقين ، أن الاقتصاد الغربي هو من المرونة والتكيف مع التحديات التي تواجهه، إلى درجة أنه قادر على التماهي مع متطلبات كل مرحلة، والتكيف مع المستجدات بما يجعله يتجاوزها، ويخرج منها بأكثر قوة.
فمنذ القرن التاسع عشر والنظام الرأسمالي يواجه الأزمات والاختناقات. أزمة 1929 م في أمريكا كانت الأشد والأعنف. ابتدأت هذه الأزمة بعد انهيار سوق وول ستريت؛ واتسعت الانهيارات لتشمل البنوك، وكثيراً من المؤسسات الصناعية، ووصلت الأزمة إلى المجال الزراعي، فعجز المزارعون عن تمويل مشاريعهم الزراعية، فتركوا الريف وهاجروا إلى المدن بحثاً عن عمل. وتفاقمت الأزمة حتى وصلت إلى كل مفاصل الاقتصاد الأمريكي دون استثناء. ونتيجة لذلك اضطرت الحكومة الأمريكية لسحب استثماراتها في الخارج لمواجهة هذه الأزمة العاصفة، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه؛ وكانت أغلب هذه الاستثمارات في كندا ودول أمريكا اللاتينية ودول أوربا، فتأثرت كل دول أوربا تقريباً، ولم ينج منها إلا الاتحاد السوفييتي الذي كان ينهج نهجاً اشتراكيا. وفي عام 1933 فاز الرئيس روزفلت بالرئاسة، وقدم (الخطة الجديدة) التي استطاعت أن تستوعب الصدمة، وأن تعيد الاقتصاد إلى التوازن من جديد، وبدأت عجلة الانتاج تعمل، ومستويات الاستهلاك تعود إلى معدلاتها، وكان الجميع يظن آنذاك أن موت الاقتصاد الرأسمالي حتمياً، وأن المرض العضال يستعصي على كل حل.
التحدي الذي يواجه العالم (الحر) الآن أن هذه الازمة تثبت أن اقتصاد السوق الذي انتهى إليه النظام الاقتصادي بعد انهيار المعسكر الشرقي يحتاج إلى (إعادة نظر) في آلياته. و(إعادة النظر) هذه - في تقديري - شرط الضرورة لتصحيح الوضع، وإعادة النظام المالي العالمي إلى الاستقرار. وما يدعونا إلى القلق بالفعل أن أزمة أسواق المال كما تقول المؤشرات - بداية الأزمة، وليست نهايتها. استمرارها يعني أن الاضطراب سيصل إلى كل أجزاء الاقتصادات الوطنية الأخرى التي ظلت بعيدة عن الاضطراب؛ وهذا ما يجب أن نتهيأ له، ونعد أنفسنا لمواجهته، ولا سيما وأن حجم الأزمة الحقيقي لازال مستعصياً على الرصد والتقدير.
أعرف جازماً أن العالم الحر سيتجاوز هذه الأزمة مثلما تجاوز غيرها من الأزمات؛ كما أعرف أن قدرة الاقتصاد الرأسمالي على التكيّف مع المتغيرات بمثابة (السر) الذي جعله يتطور ويتغير ويواكب احتياجات العالم من مرحلة إلى أخرى، أما الذي لست متأكداً منه فهو المدى الزمني الذي يحتاجها العالم لتجاوز هذه الأزمة. وهذا السؤال الأهم الذي يبحث العالم عن إجابة له.


محمد بن عبداللطيف آل الشيخ


زيادة حجم الخطزيادة حجم الخط مسحمسح إنقاص حجم الخطإنقاص حجم الخط
إرسال لصديق
طباعة
حفظ باسم

التعليقات

التعليقات ( 0 )

التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 03:00 صباحًا الأربعاء 14 ربيع الثاني 1441 / 11 ديسمبر 2019.