• ×
  • تسجيل

المجالس مدارس

بواسطة : فوزي
 0  0  2.6K
من العادات التي مازال يمسك بها \"شيابنا\" بانتظام ودقة هي تلك المجالس الدورية التي تنعقد في بيوتهم ونواديهم والتي لا تخلوا من متطلبات ضرورية لمثل تلك المجالس فالقهوة العربية الأصيلة حاضرة بقوة فيها ، والتي أصبحت من المسلّمات في الضيافة والكرم ، وتاريخ القهوة تاريخ ظريف لعلي استفرد به في مقالة أو أتعرض له في رواية ؛ فبعد أن كانت القهوة من المحرمات والأمور المكره تناولها في الجزيرة العربية أصبحت جزء أساسي من مجالس الجزيرة العربية قاطبة ، ومن يخلو مجلسه من روائح الهيل والبن ينتقص من كرمه وطيب أصله ، وبصراحة أصبحت القهوة جزء من حياتنا وعن نفسي لا أتخيل يومي بدون فنجال من القهوة الممزوج ببعض حبات الهيل والزعفران .

ولنترك حديث القهوة جانباً ونتعرض لما هو أهم منها في ما يدور في مجالس \"شيابنا الذين يحرصون عادة على حضور أبنائهم لمجالسهم تلك ويكونوا عادة بلا رأي ولا مشورة يؤمرون فينفذون، يسمعون فيطيعون ، إن مثل هذه المجالس التي يحرص فيها ذوي الأسنان على التواصل و التواد والتلاحم بينهم له شي جميل ورائع والأجمل منه حرصهم على تعليم أبنائهم عادات الكرم وحسن الضيافة واللباقة أي \"البرتوكول\" المطلوب في مثل تلك المناسبات .. إلا أن الأمر الغير جميل وربما الخطير هو الثقافة السائدة والغالبة على تلك المجالس والتي يغلب عليها الحنين إلى الماضي البائد بما فيه من تعصب قبلي وجهالة مفرطة ، وضرب نماذج غير صحية للناشئة والمراهقين من هذا الماضي دون قصد منهم لأن هؤلاء سيتأثرون بكل تأكيد .. إن التركيز على حياة الأولين وخصوصاً فترة الجاهلية الثانية لا أعادها الله وأقصد بها حقبة الجزيرة العربية قبل التأسيس ، والمفاخرة وضرب أمثلة الشجاعة من تلك الحقبة في غير محله خصوصاً أن معيار الشجاعة في تلك الفترة مختلف تماماً عن معياره اليوم فاللص الشجاع الهمام الذي يأخذ قوت غيره بالسلاح والسطو هو في نظرهم رجلاً مقداماً هماماً ، إن مثل هذه الأمثلة والنماذج تأثر في المراهق فلا تتوقع منه بعد هذه الأمثلة أن يخرج من تلك المجالس وأكبر همه أن يصبح طياراً أو طبيباً أو حتى عالماً فيزيائياً؟! إن كل همه بعد كيل المديح ممن يعتبرهم قدوته وأكبر همه إسعادهم هو عمل شبيه بتلك الأمثلة التي ما فتئ هؤلاء القوم يرددونها على مسامعه في ضحى ومساء كل يوم ، فلا ينبهر ولا يتحسر هؤلاء إذا خرج أبنائهم متقلدين الأسلحة الخفيفة ويجوبون الشوارع غير مبالين بنتائج أفعالهم لأنهم في نظر وبمعيار أبائهم يقومون بأعمال تصنف في أعمال الشجاعة والبطولة . إن مثل هذه المجالس لا تقل أهمية عن دور المدرسة والمجتمع والإعلام في التربية والثقافة ، ويجب على\"شيابنا\" أن يتحرصوا في إلقاء قصصهم وحديثهم أمام النشء والمراهقين حتى لا يندم أحدهم يوم لا ينفع الندم ..

إن نتاج هذه المجالس نراه اليوم واضحاً في تأثيره على الكثير من المراهقين وحتى غير المراهقين بل نراه جلياً في جيل الشعراء من خريج البرامج والقنوات الشعبية ، والتي أصبحت تلك البرامج فوهة بركان تبث غازاتها السامة على المجتمع السعودي تحديداً الذي معظمه يتكون من قبائل وأفخاذ وبطون كبيرة ومتفرقة ، ونخشى أن ينفجر هذا البركان الخامد. فالضرب على الوتر القبلي لا يقل خطورة عن مثيله المذهبي وربما كان أقسى وأخطر .

وقبل أن أختم مقالتي لازلت أذكر ذلك الشيخ\"الشايب\" الجليل_ الذي طبعت على ملامح وجهه خطوطاً طوليه وعرضيه غير متساويه نتاج الحياة الطويلة القاسية _ حينما حاولت في إحدى المجالس أن أحور المواضيع الدارجة فيه إلى ما ينفع فذهبت بهم بعيداً عن العصر الذي يتكلمون فيه إلى عصر أعظم وأجل عصر الصحابة ومن يجب الاقتداء بهم ، وأثناء الحديث لمحت ذلك الشيخ العتيق وكأن حديثنا لم يعجبه فراح يشغل ناظريه يمنه ويسره ويحرك عصاه ببط تارة ويدق بها الأرض تارة أخرى قبل أن يباغتنا بسؤال قاطع ذلك الحديث ونقل موضوع الحوار بذكاء ودقة إلى موضوع آخر مختلف تماماً ؛ حينما سألنا باهتمام \" علوم المطر؟!!\"

دمتم بود ،،

فوزي القبوري
كاتب وروائي
زيادة حجم الخطزيادة حجم الخط مسحمسح إنقاص حجم الخطإنقاص حجم الخط
إرسال لصديق
طباعة
حفظ باسم

التعليقات

التعليقات ( 0 )

التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 12:00 مساءً الأربعاء 14 ربيع الثاني 1441 / 11 ديسمبر 2019.