• ×
  • تسجيل

العقل والدين والقداسة في (المفهوم البشري):

بواسطة : تركي الشثري
 0  0  3.3K

العقل: قوة النفس التي بها يحصل تصور المعاني وتأليف القضايا والأقيسة...

الدين: ما يدين به المرء ويعتقده ويستسلم لشرائعه، وغالباً ما يصحب ذلك كتاب أو صحائف يتمسك بها المتدينون, ونبي يجسّد هذه العقائد والشرائع على أرض الواقع ليحتذى، وليتبين إمكانية تطبيق هذا الدين أو ذاك...

القداسة: العصمة وما عُصِمَ، ومن عُصِمَ من كتاب أو دين أو مسار أو رجل فهو مرجعية يردّ إليه البشر ما اختلفوا فيه...

العقل يقرأ آيـات الكـون بالحـواس الخمـس.

الدين يقرأ آيات الصحائف بقلوب المؤمنين.

العقلاني يسأل، يراجع، يقبل، يرفض، يحلل ...

المتدين يؤمن يستسلم ينقاد بلا سؤال ولا مراجعة ولا خيار...

فأضحى البشر بين العقل والحياة أو الدين والانتحار، حتى أصبح العقل من مناقضات الدين، والدين من مناقضات العقل.

فسدت المقدمة ففسدت النتيجة, لانحراف بعض الأديان وهي الكثيرة؛ إذ لا أحد ينكر طغيان الأديان الفاسدة وكثرتها؛ إذ هي السبل المجانبة للصراط، بينما الصراط واحد دعا إليه الأنبياء وإن وجد الاختلاف في بعض الشرائع والشعائر.

هنا نستعرض رحلة الدين والعقل مكتفين بالدين والعقل اللذين أعطيا الوجه الثقافي الشكل الذي نراه اليوم, ونستفصل نقاط الالتقاء والتلاقح بيننا وبين الغرب ارتقاءً وانحطاطاً.

اليونان رفعوا مشعل العلم ومعول الوثنية، ونحن أميُّون في صحرائنا ووثنيون في صحرائنا, بعث فينا الهادي، وأنزل علينا الكتاب (اقرأ).

(أفلم يسيروا في الأرض).

(وقل ربي زدني علماً).

دين صحيح، وعقل صريح، نور على نور، قدنا الأمم وسدنا ردحاً من الزمن، ورسف أحفاد أفلاطون وأرسطو في أغلال الكنيسة التي حاربت العلم، وشنقت العلماء، آمرةً المريد أن يخلع عقله جوار نعليه عند باب الكنيسة إذا أراد الولوج إلى ذلك الحرم، وإن شكك البعض في صحة هذه المقولة فإن أحداً لا يشكك في صحة معناها.

نفضنا الغبار عن علوم الإغريق ونقّحناها وقدّمناها لأرووبا غضةً سهلة القياد, أدّينا الواجب، ثم استنمنا للراحة وخلو البال، وغرقنا في الترف ولوازمه في تاريخ مخزٍ (الجواري - سيوف الذهب النبيذ أعطه ألف دينار الغلمان التصارع على الممالك الانقسام)، تركنا الدين والعلم، وعطلنا العقل والإبداع، واكتفينا بشرح الشرح وحاشية الشرح والتقرير.

ثار العقل على الكنيسة وجاءت نهضة أوروبا متجاوزة الحدود إلينا؛ لتبهرنا وترهبنا وتأسرنا تلميحاً وتصريحاً لا فرق، هجروا دينهم المحرّف، ففازوا بالدنيا، وحسن ما فعلوا هجرنا ديننا ودنيانا، فخسرنا خسراناً مبيناً، وما ربك بظلام للعبيد.

بدأنا رحلة الخرافة بعد العصور الزاهرة، وبنينا الزوايا والتكايا، ورفعنا الأضرحة، وتبركنا بالصالحين، اقتنعنا بالقشور، وزهدنا باللباب.

ومع بداية العصر الحديث بدأ التساؤل: أين كنا؟ وأين أصبحنا؟ لماذا كل هذا؟ فمن قائل: السبب ترك الدين، ومن قائل: السبب ترك الدنيا، وضاع المسلمون بين الأطراف؛ إذ الأصل الوسط، وإني لأراهن على الوسط كأي عاقل يحذر الآخرة، ويرجو رحمة ربه، ما كان حراماً أصبح حلالاً، وما كان حلال أصبح حرماً في تنازل غير مسوّغ، وتشدد منه الجلد يقشعر، وضاع الصوت الوسط في ظل الصخب.

(وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً)

قد تتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان، ولا غرو فهي الشريعة الصالحة لكل زمان ومكان، وقد غيّر الشافعي بعض ما أفتى به لمّا انتقل من العراق إلى مصر، ولكن المراد ما نراه ونسمعه من التمييع والتشنج بلا مسوغ ولاعلل فقهية مؤصلة، فما ثمة إلاّ الهوى وإيثار الدنيا وإعجاب كل ذي رأي برأيه.

أَلأننا ابتعدنا عن الدين انتكسنا؟!

أم لأننا ابتعدنا عن العلم.. العقل انتكسنا؟!

هل يمكن الجمع بين الدين والعلم؟

الثورة الفرنسية ألغت الدين، ولا بد للنفس البشرية من شيء تقدسه، فقدسوا العقل؛ فما قبله فهو المقبول، وما ردّه فهو المردود، وهيهات أن تدخل الحقائق الدينية للمعامل!! وهيهات أن تخضع للتجارب إلاّ ما كان من فطرة سوية، وصلاح في الطوية، وعقل بصير متفكر مشكاة فيها مصباح المصباح، في زجاجة الزجاجة، كأنها كوكب دري، يوقد من شجرة مباركة، زيتونة لا شرقية ولا غربية.

ولنستمع هنا لابن خلدون مفخرة العقل الإسلامي الذي سبق الزمن، وأتى بما لم تستطعه الأوائل والأواخر، وجد منَّا الوشاية والإهمال والنفي والشك في مذهبه ووجد من القوم التبجيل والاهتمام بإنتاجه بحثاً ودراسة في السوربون، وغيرها الكثير الكثير، ولها فضل السبق فأخبرونا خبره، وعرَّفونا قدره، فتنافسناه، فمن قائل بحضرميته لأصله، ومن قائل بتونسيته لمولده، ومن قائل بمصريته لقضائه، وليلى لا تقر لهم بذاك؛ فابن خلدون ظاهرة فكرية لا جسداً يعيش ويُدفن في مكان مـا، ابن خلدون بعد هذا يقول ليس كل موجود يدرك بالعقل، العقل له حدود، وانظروا إلى الأصم الذي يدرك كل شيء إلاّ الأصوات، والأعمى الذي يدرك كل شيء إلاّ المرئيات، وهلمّ جرّا...

هناك ألقى الثوريون في روع العامة أن الدين سبب التراجع الدنيوي؛ فحاصوا حيصة حمر الوحش، وهدموا الكنائس على رؤوس رجال الدين في مشهد سينمائي يحكي قصة بناء وملحمة حضارة.

الناس لا يتسامحون مع من أراد بدنياهم سوءاً، ولو كان الدين ورجاله؛ فالدنيا لديهم عاجل، والآخرة آجل، وخلق الإنسان عجولاً.

نُقلت هذه المعادلة إلى بعض بني جلدتنا فأسقطوها على واقعنا، وتعاطوا مع ديننا القويم تعاطي القوم مع دينهم المتهالك، ولا مقارنة ولا سبيل إليها، تصفح أي مرجع فقهي إسلامي لتجد باب الطهارة والصلاة والزكاة والبيوع والسياسة والولاية والتعامل مع المخالف في السلم والحرب، الدين والدنيا منهج متكامل، وفي أكثر مناحيه قواعد وأطر نجتهد في دوائرها، ذلك إلى جانب باب العفو، وأنتم أعلم بأمور دنياكم، وانظر إلى أقدس كتاب لديهم تجد المواعظ وقصص الحواريين وشيء من الأساطير، ولاغير ذلك...

الإسلام دين يكرم العقل، ويأمر بتفعيله في دوائر مرسومة وحدود معلومة لا تغض من شأنه بقدر ما ترفق به؛ إذ الذي لا يُحدّ ولا يُحاط هو علم الله (والله من ورائهم محيط)، فمن ساوى علمه بعلم خالقه فلا نناقشه هنا، ومأواه الحيرة وبئس المصير.

العقل والدين والقداسة

يقول الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله:

\"الإسلام لا يرضى من المسلم أن يطفئ نور عقله، ويركن إلى التقليد الأعمى في مسائل الاعتقاد وغيرها\".

الإسلام يطلب التفكر في أسرار الكون، وينعى على الذين عطّلوا عقولهم، واتبعوا ما ألفوْا عليه آباءهم، لن أذهب في إيراد النصوص الإسلامية المقدسة التي تأمر بالتفكر واستعمال العقل والثناء على العلماء كل مذهب؛ فهذا متقرر عند كل مسلم ولكن هناك آيات لا أملك إلاّ أن أوردها لموقعها الشريف من العلاقة بين الدين والعقل لما ذكرنا أن الدين في مفهوم البشر يأمر أتباعه بقراءة آيات الصحائف بالقلوب، وأن العقل يأمر أتباعه بقراءة آيات الكون بالحواس الخمس يقول تعالى: (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً).

فالحواس مسؤولة دينياً عما تقوم به من تحليل وفحص.

ويقول تعالى على لسان أهل النار: (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ)، ويقول: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ).

فالدين عندنا لا يأمر أتباعه بقراءة الآيات بالقلوب فقط، بل يستدعي البصر والعقل والسمع والقلب الشهيد، ويأمر كذلك بقراءة آيات الكون (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). (وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ).

يقول (موريس بوكاي) بعد دراسة الكتب المقدسة: \"لقد قمت أولاً بدراسة القرآن الكريم، وذلك دون أي فكر مسبق، وبموضوعية تامة، باحثاً عن درجة اتفاق نص القرآن ومعطيات العلم الحديث، وبفضل الدراسة الواعية للنص العربي استطعت أن أحقق قائمة أدركت بعد الانتهاء منها أن القرآن لا يحتوي على أية مقولة قابلة للنقد من وجهة نظر العلم الحديث\".

ولايعني هذا أن نندفع لا نلوي على شيء إلاّ إلى ليّ أعناق النصوص لتبشر بكل مكتشف ونظرية، كما صنع بعض الطيبين لما قالوا عن:

(ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية). \"ولعلها كائنات كهرمغناطيسية هائلة\"؛ إذ إنهم يستبعدون أن يحمل العرش ثمانية من الملائكة فقط..

وقالوا عن (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا). \"النفس هي البروتون، وإن زوجها هو الألكترون، هما العنصران اللذان تتكون منهما الذرة، وهذه الحقيقة العلمية التي يتيه بها العصر الحديث قد جاء بها القرآن منذ1400 سنة في صراحة ووضوح\"...

يذكرني هؤلاء بقصة الدب الذي أحب الإنسان، واتخذه صديقاً، فلما رأى ذباباً يطوف على أنفه وهو نائم ضربه ضربة نقلته من دار إلى دار، وفاء لهذا الإنسان الذي له يد فضل عليه، ولكن رضي الناس بعقولهم، ولم يرضوا بأرزاقهم.

القرآن إعجاز علمي وبياني وتشريعي ولا ريب، ولكن الريب ما سبق من نماذج!!

إن تحميل القرآن مالا يحتمل بحجة الدعوة إليه رزية تدعو للرثاء، وحجر عثرة في سبيل الدعوة...

الإنسان حفيد القرد كما يرى (داروين) إذن هو جسد فقط!!

القرد لا يؤمن بالغيبيات، ولا يحفل بالروحانيات، وإنما هو الفرج والبطن؛ فعلى الأحفاد أن يقبلوا على الجسد فيستكملوا منعماته...

(فرويد) يرى أن كل الجرائم والسرقات والجنايات والحروب تعود للكبت الجنسي والحل إشاعة الجنس...

أين العقل الذي يتبجح به القوم..؟!

دُرِّست هاتان النظريتان في جامعاتهم، وصبغت حياتهم الحديثة بهما، ونُقلت إلينا فلم ندعها وهي منتنة...

قرر المذهب المادي مسائله، وفرضها على أوروبا والأمريكتين، واستلهمنا ما اعتقده القوم، وتنافسناه كما تنافسوه، وكما سبق لابد للنفس من إله تسجد له؛ فسجدوا لبرج التجارة العالمي، واعتكفوا بصالات البورصة، وقطع بعض بني جلدتنا صلاته وأمَّ ما أمَّه القوم...

رحلة موجزة لو بُسط فيها البحث وأُطيل فيها النفس لملأت أسفاراً وأسفاراً، اكتفينا فيها بما يعنينا من الجذور التي أسست البناء الحضاري الآني، وأملت على العقل البشري أنماط ومسارب التفكير.

وهذه الجزئية تحتاج كما أسلفنا مجلدات ضخاماً، فكيف لو استعرضنا رحلة الدين والعقل منذ فجر الخليقة؟! على أن السنن الكونية ثابتة، ولكنها الأحداث والنماذج التي تتمدد طولاً وعرضاً في رحلة الزمن، ومع ذلك لا يعنينا هذا فيما نخوض فيه... وللحديث بقية.


المصدر : الإسلام اليوم
زيادة حجم الخطزيادة حجم الخط مسحمسح إنقاص حجم الخطإنقاص حجم الخط
إرسال لصديق
طباعة
حفظ باسم

التعليقات

التعليقات ( 0 )

التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:28 صباحًا الأربعاء 17 صفر 1441 / 16 أكتوبر 2019.