• ×
  • تسجيل

العقل والدين والقداسة (2/2)

بواسطة : تركي الشثري
 0  0  3.4K



في المقال السابق دندنا حول تعريف الدين والعقل والقداسة، وحول رحلة العقل والدين..

وطَّأت هذه الرحلة ما نحن بصدده الآن من [النص الرأي الاجتهاد التحسين التقبيح].

ولسنا بحاجة لتبرير اصطفاء الآليات الفقهية الإسلامية في الاستدلال، ولا في حاجة لتلخيص الرحلة لتعليل اصطفاء المنهج الإسلامي في الأحكام والتعاطي مع النصوص..

[العقل النص]

أما العقائد فالأمر فيها محسوم، ولم تكن سبب المقال، وإن بُني عليها

الاستسلام لله، واحترام النصوص، والتعبد بتفعيل العقل، وهي كذلك الفقه الأكبر، إلاّ أن حال الكثيرين من بني جلدتنا [نحن مستسلمون لله، ونؤمن بقدسية النص، ولكن سنشارك في تفعيل العقل؛ فلنا عقول وللمجتهدين عقول]، وإن جاء الحكم من المجتهدين على غير ما يوافق أهواءهم أوّلوا النص في جرأة لا تعرف للاستسلام لله، ولا لاحترام النص أي معنى ...

لسنا من الذين (اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ).

وليس لدينا كهنوت ورجال دين, ولكن لكل امرئ ما يحسنه، وكلٌّ ميسر لما خُلق له...

[النص الرأي الاجتهاد - التحسين التقبيح] سنتناول منها ما يحيط بالعنق، ويخنق من يرفع عقيرته هارفاً بما لا يعرف، وحسبنا المحاولة والمشاركة في النهي عن المنكر...

كثيراً ما نسمع اليوم من الصغير قبل الكبير، ومن النعامة قبل القامة

[ أنا أرى]، [من عقلك يا أخي]، و [بالعقل]. نسمع هذه العبارات تعليقاً على فتوى...

الإسلام كما أسلفنا حرر العقل، وأعطاه المنزلة التي تناسبه، ولكن لا نفرط في هذا إلى تجاوز العقل حدوده, المعتزلة [نموذجاً].

ولانفرِّط في هذا إلى إهمال العقل، والتسليم كالميت بين يدي المغسل/الشيخ, الصوفية. [نموذجاً].

ولكن صراط مستقيم...

[أنا أرى]، [من عقلك يا أخي]، [بالعقل].

في الحقيقة أنه لا يخفى ما لهوى النفس من دور في وجود مثل هذه العبارات (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ)

(فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ). [القصص:50]

إذا حكم الهوى استغلق العقل الذي يباهي به المماري

إذا رأيـتَ الهوى في أمةٍ حكماً
فاحكمْ هنالك أن العقلَ قد ذهبا


... النص والعقل الذي يستنبط والحكم الشرعي:

النص [الكتاب والسنة]

العقل الذي يستنبط [العالم المجتهد]

الحكم الشرعي (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ).

من صاحب العقل المخول بالاستنباط ..؟

هل هو صاحب العقل الذكي، أو العقل الفلسفي، أو العقل النقدي،

أو العقل المعلوماتي، أو العقل الرقمي؟

أي عقل، أي شخص يطلب العلم الشرعي، ويستكمل شروط الاجتهاد فهو المخول؛ فليس في الإسلام احتكار للحقائق الشرعية.

أما الحقائق الفطرية كالعلم بوجود الله فقد يقف العقل أي عقل سليم على ذلك؛ فالبعرة تدل على البعير، والأثر في الطريق يدل على المسير، كما أجاب الأعرابي من سأله: كيف علم بوجود الله، وأتم بقوله: سماء ذات أبراج، وليل داجٍ، ألا يدلان على السميع البصير؟!

كذلك بعض المسائل الفقهية القطعية لا مجال للاجتهاد فيها، كالعلم بوجوب الصلاة، ولكن الكلام هنا على المختلف فيه، وما هو ظني الدلالة، أو الثبوت، وهي الذريعة والباب الذي ولج منه من تحدث في غير فنه، فأتى بالعجائب..

علماء الأصول قسّموا المسائل الشرعية إلى:

. ما هو قطعي معلوم من الدين بالضرورة، كصوم رمضان، وتحريم الزنا، وقتل النفس، وهذه المسائل ليست مناط الاجتهاد، والحقيقة فيها واحدة.

. ما فيه أدلة قاطعة، لكنه ليس من الضرورات الشرعية التي يستوي في معرفتها الخاص والعام, فأي [مجتهد] نظر فيها وبذل وسعه في الوصول إلى الحكم فإنه غير آثم، وإن أخطأ؛ لأن كون الدليل قطعياً ليس أمراً ثابتاً في كل موضع.

. ما لا قواطع فيه، وإنما الأدلة الظنية و [المجتهد] إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فأجر واحد.

وتنبه لتخصيص علماء الأصول المجتهد بالذكر في القسمين الأخيرين...

[النص الرأي]

1-النص والرأي: تدافع صحابة محمد -صلى الله عليه وسلم- الفتيا لتشربهم \"أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار\"، وفي الوقت ذاته لم يكونوا كلهم أهل فتيا، أما القرّاء، وهم الحاملون للقرآن العالمون بالناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه، فهم أهلها، كثرت الفتوحات وتوسعت المملكة، وأضحى الفقه صناعة، وبُدّل اسم القرّاء بالفقهاء والعلماء، وانقسم الفقه إلى مدرستين:

0مدرسة النص: وهم أهل الحديث في الحجاز، وخصوصاً المدينة وإمامهم مالك والشافعي بعده. كان أهل المدينة أعلم الناس بالحديث؛ فالحديث بدأ وانتهى فيها؛ لذلك كان وضع الحديث من أصعب الأشياء في المدينة؛ لأن الأحداث والمشاهد والأقوال، وكل ما يتعلق بأحوال النبي -صلى الله عليه وسلم- كلها في المدينة قد شاهدها الناس وشهدوها, افتخر أهل النص بذلك حتى قال مالك: \"إذا جاوز الحديث الحرتين ضعفت شجاعته\" وكان يسمي الكوفة [دار الضرب]؛ أي إنها تضع الأحاديث، وتصنعها مثلما تخرج دار الضرب الدراهم والدنانير، وقال ابن شهاب: \"يخرج الحديث من عندنا شبراً فيعود في العراق ذراعاً\".

1. مدرسة الرأي: وهم أهل القياس في العراق، الحديث عندهم قليل، فاستكثروا من القياس وإمامهم أبوحنيفة.

وانقسم الناس إلى اليوم تبعاً لذلك؛ فمن مؤيد لأهل الرأي، ومن مؤيد لأهل النص، والحقيقة أنه لا فرق والمنهج واحد، وإنما هو الإسلام الصالح لكل زمان ومكان وأمة.

أولاً: الصحابة أكثرهم في المدينة، والحديث لديهم كثير، فغطى أكثر الأحوال والمسائل.

الصحابة أقل في العراق، والحديث أقل، فاحتاجوا القياس.

ثانياً: الأحوال والمسائل قليلة في المدينة فالناس على الفطرة والدين أقرب لطبيعة ما كان عليه محمد والصحابه في شؤونهم وحاجاتهم الحياة بسيطة والمعاش ساذج.

الأحوال والمسائل كثيرة في العراق حيث المدنية والحضارة، فهناك الري والخراج والمال الوفير، وما ينتج عن المال من مسائل اقتصادية وجنائية، وما يشيع من الترف، وكل هذه الأحوال ليست في المدينة؛ فمسائل أهل المدينة يكفيها الحديث بنصه، ومسائل العراق لابد فيها من القياس إلى جوار النص، بعد هذا هل يمكن أن يتعارض النص والرأي/ العقل والنقل.

أول شبهة عقلية اعتراض إبليس على أمر الله (أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً) فطُرد من السماء وخلد في النار...

المعتزلة قدّسوا العقل، وقالوا بسلطته على النقل، حتى إذا ما تعارضا (بحسبهم) قدم العقل، واطُّرح النقل، في شوفينية صارخة على لسان رجل واحد..

جاء ابن تيمية، ورد عليهم بكتاب محكم [درء تعارض العقل والنقل]، يُدرَّس لمن بلغ في العلم مبلغاً، وقضى من المقدمات، خلاصته أن صريح العقل لا يمكن أن يكون مخالفاً لصحيح النقل، وقد استقرى كثير من العلماء هذه المسألة، فلم يجدوا تعارضاً بين قاطع عقلي وقاطع نقلي، وقرروا أنه في حالة تعارض قاطع عقلي مع نقل ظني قابل للتأويل رجح العقل، وأوّل النقل ..

ويتم ذلك في هدوء ويقين على علم وعن إيمان، ونعود لنقول: من المعوّل عليه هذا؟ وعن أي عقل نتحدث؟!

[الاجتهاد]

لا يخرج الناس عن ثلاثة:

1. العالم الخبير البصير الذي يفقه الآيات والأحاديث، ويتنبه إلى ما يستنبط منهما من أحكام، ويستطيع التوفيق بين ما هو ظاهره الاختلاف منهما، ويفهم العربية وأسلوبها، ويعرف الناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، والمطلق والمقيد.

وهذا هو المجتهد..

2. الجاهل الذي يعجز عن فقه بعض معاني القرآن والحديث، ولا يستطيع الاستنباط منهما، ولا معرفة ما يطلبان منه.

وهذا هو المقلد..

3. من هو بين ذلك ليس جاهلاً لا يفقه ما يقرأ من أحكام، ولا يستطيع معرفة ما يدل عليه الكلام، بل عنده شيء من علم واطلاع في الشريعة وعقل وتفكير، ولكنه لم يصل إلى درجة العالم النموذج الأول.

وهذا هو المتبع..

فيا ترى من أي الأصناف الثلاثة الذي يقول بعد سماع الفتوى منقولة عن المجتهد [أنا أرى]، [من عقلك]، أو [بالعقل].

ليس الاجتهاد مادة هلامية ولا كائناً خرافياً، كما يصوره من أراد أن يقفل بابه, الاجتهاد: هو استفراغ الوسع والجهد في معرفة الأحكام واستنباطها من الأدلة الشرعية على وجه يحسّ المجتهد فيه من نفسه العجز عن طلب المزيد عليه.

شروطه: قال الغزالي -رحمه الله-: للمجتهد شرطان:

1. أن يكون عدلاً مجتنباً للمعاصي القادحة في العدالة، وهذا شرط لجواز الاعتماد على فتواه فقط وقبولها، وليس شرطاً لصحة الاجتهاد، فلو كان فاسقاً، واجتهد لنفسه صح.

2. أن يكون محيطاً بمدارك الشرع، متمكناً من استثارة الظن بالنظر فيها، ويكون ذلك بمعرفة الكتاب والسنة، والإجماع والعقل أو القياس، وأصول الفقه واللغة والنحو، والناسخ والمنسوخ ومصطلح الحديث.

وهذان الشرطان تستطيعهما النفس البشرية.

فلماذا يقفل باب الاجتهاد؟

مع علمي أن هذا السؤال فاسد بحسب أرسطو؛ لأنه لايمكن لأحد أن يقفله إلاّ أن تنزل صحيفة من السماء، ولن تنزل؛ فمحمد خاتم ورسالته خاتمة، ولكن لكثرة ما لاكته الألسن واعتادته الآذان مُهّد به:

قرر بعضهم بعد سنة أربع مئة للهجرة قفل باب الاجتهاد؛ فمن قائل بفساد الزمان، وتغير العقول، والأمزجة، وذهاب السلف، وهزال الخلف.

ومن قائل إنه لا بأس بالاجتهاد، ولكن بشروط، ثم تلا شروطاً تعجيزية؛ فعنده أن للاجتهاد باباً، ولكن مفتاحه مفقود، فهو وإن لم يقفله تصريحاً، إلاّ أنه أقفله تلميحاً، فماذا نصنع بالنوازل وحاجات العصر؟!

[التحسين والتقبيح]

هل مرده العقل أم الدين أم أن هناك تفصيلاً..؟

تناول شيخ الإسلام ابن تيمية هذا المبحث، وأفاض فيه، وتتابعت عليه الدراسات إلى عصرنا هذا، وسنورد ما رجّحه في أصل هذه المسألة لما ذهب العلماء إلى أقوال ثلاثة:

1. الأشعرية قالوا الأفعال ليست مشتملة على صفات حسن أو قبح، وإنما وصفها بذلك مبني على أمر الشارع أو نهيه، ولا يحصل الثواب والمدح، ولا العقاب والذم، إلاّ على ذلك.

فالقداسة للدين...

2. المعتزلة قالوا الأفعال مشتملة على ذلك لذاتها؛ فلو لم يرد السمع فإن المكلف يستحق الثواب على فعل الحسن والعقاب على فعل القبيح؛ لأن ذلك يُدرك بالعقل.

فالقداسة للعقل...

3. السلف (وهم عامة السلف وجمهور المسلمين والأئمة الأربعة) قالوا الأفعال مشتملة على أوصاف تقتضي الحسن والقبح، وأن ذلك مدرك بالعقل، لكن الثواب والعقاب مبني على الشرع.

فالقداسة للصراط المستقيم...

وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ..

تبين مما سبق أن الإسلام حرر العقل، ورفق به، وأظهر علاقة الدين بالعقل، ولم يجعلها طلسمية تخضع للآراء وتسييس للأهواء.

فمن أين أتانا [أنا أرى]، [بالعقل]، و[من عقلك ياأخي]، ولا وجود للنص في كل هذا، وإن وجد فهو متهم مشكوك فيه، إضافة إلى أن أدوات الاجتهاد والاستنباط لا يملكها المتحدث، فعن أي عقل نتحدث تدخل المعركة وأنت أعزل؟ وفي الوقت ذاته لا تأخذ الوصفة الطبية من محلل سياسي، ولا القراءة النقدية من مهندس معماري، ومن أراد أن يرى العجاب فليتصفح المواقع، وليطلع على ما يُناقش في المنتديات ليرى ويسمع, ظاهرة لا يكاد يخلو منها مجلس، ولا مجمع فأين أولو النهى ورجال النهي..؟!

لكل علم أهلون ..

ولولا تساهل بعض الفقهاء لما تجرّأ الأدعياء..

يـقولون هذا عندنا غيرُ جائزٍ
فمن أنتم حتى يكونَ لكم عندُ


إن هذا العلم دين فلينظر أحدكم عمّن يأخذ دينه ...



الإسلام اليوم
زيادة حجم الخطزيادة حجم الخط مسحمسح إنقاص حجم الخطإنقاص حجم الخط
إرسال لصديق
طباعة
حفظ باسم

التعليقات

التعليقات ( 0 )

التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 04:53 صباحًا الأربعاء 23 ربيع الأول 1441 / 20 نوفمبر 2019.