• ×
  • تسجيل

الخِشرة والخلوة في رمضان

 1  0  2.7K
كان رمضان عندما كنت صغيراً يأتينا في الشتاء ، وكان لرمضان نكهة خاصة ، وكنا فيه نبذل كل وسيلة تسعدنا من إمكاناتنا المحدودة ، وكان الشيبان كذلك مع الإكثار من الطاعات ؛ فكان من ضمن الفعاليات التي نمارسها ( الخِشْرة ) أي أن كل واحد من أولاد الحارة يشتري كل يوم شئ من الحلوى أو القريض أو غيره ، حتى إذا جاء المساء نجمعه ثم نتقاسمه وكان الناس في ذلك الوقت يصلون في ( الخَلْوة ) وهي تشبه ( القَبُو ) تحت الأرض في مؤخرة المسجد وغالباً في شرقيه وتحت ( السَّرحة ) وهي المكان المكشوف في مؤخرة المسجد يصلي فيه الناس غالباً وقت اشتداد الحر في المساء ووقت اشتداد البرد وقتي ( الظهر والعصر ) فتجتمع في درج الخلوة ونأكل مما رزقنا الله ، وكان من ضمن الفعاليات أننا نشتري الكشّافات وهي ما تسمى ( بالكَهْربان ) يوضع بداخلها بطارية ( حَجَر ) حتى تضيء لنل الطريق ، مع إن البلد قد تقدمت قليلاً فكانوا يعلقون ( السُّرُج ) و( الأتاريك ) في الشوارع في فترة المساء ، ومن ضمن الفعاليات أن الوالد - رحمة الله عليه كان يطيب المسجد في رمضان بالعود والمستكة ، وكان لا يرضى حتى يرى الخلوة وقد عجّت به حتى أن الرؤية فيها تنعدم إلى حد ما لفترة زمنية قصيرة وذلك من كثرة الدخان وكان كل المصلون سعيدون بذلك ويدعون للوالد على فعله هذا .
وكنت أنا وأخي سعد نتسابق على حمل ( المِدْخن ) وهو ما يوضع فيه البخور؛ وإيصاله إلى المسجد وتطييبه تلبيةً لطلب الوالد ومشاركة في عمل الخير . ونَتَدَفَّى عليه من البرد حتى نصل المسجد . وكان الناس ينقطعون للعبادة في رمضان من بعد صلاة الظهر وذلك بقراءة القرآن وذكر الله ، وكانت الوالدة - رحمة الله عليها تُصَلِّح لنا ( لقيمات ) بعد العصر من السكر والعجين فقط وكنت أحرص على أن أكون متواجداً عند إصلاحها لآخذ نصيبي ساخناً يقرمش فآخذ حبتين فقط وأذهب بها مسرعاً إلى المسجد أقلبها في يدي من شدة سخونتها ، فيكون الوالد رحمة الله عليه منتظراً لي في سرحة المسجد جالساً في مشراقه أي المكان الذي توجد به ( شميسته ) للإستدفاء بها ، وكان يلبس عباءة يقال لها ( البِيْدِي ) من غزل صوف الغنم والجمال ، سوداء اللون ، وعندما أقبل عليه وهو يقرأ القرآن يرحب بي ويسعد ويفتح لي جانباً من يساره لأدخل فيه عن البرد وكان سعيداً بهذا القدوم كل يوم وكنت أحس بذلك من سروره ومداعبته لي فهو ينتظر هذا اللقاء كل يوم بفارغ الصبر ، وبعد أن أختبئ داخل البيدي أبدأ بقرمشة اللقيمات بكل سرور وبالهناء .
هكذا الناس في رمضان شيباً وشباناً وهذا الذي ذكرته جزء من كل واسع ؛ لا تتسع الصفحات لذكره لأن الغرض هو ذكر ( البعض ) للفائدة ؛ وهكذا حياة الناس أنس وسرور بما هو موجود ؛ تربية عميقة وأسلوب جميل وعاطفة جيّاشة بين الابن وأبيه جعلت كل منها ينتظر هذا اللقاء يوميّاً في يوم من أجمل الأيام من رمضان الكريم .
فهل نستفيد نحن الآباء والأبناء ؟؟!
فالصورة واضحة ما الذي يجعل الابن يترك لعبه مع أقرانه ويذهب إلى أبيه في المسجد ؟!
وما الذي جعل الأب يترك قراءة القرآن زمناً للترحيب بالابن ومداعبته واتساع المكان له وإدخاله في عباءته حتى يشبع من الحنان والعاطفة رقة ومشاعر وحنو في قمة التربية وأصولها دون تكلف في جلبها وترابط اجتماعي متكامل تتمثل في ( الخشرة ) وغيرها ! فهل نستفيد ؟؟

.. انتهت ..
زيادة حجم الخطزيادة حجم الخط مسحمسح إنقاص حجم الخطإنقاص حجم الخط
إرسال لصديق
طباعة
حفظ باسم

التعليقات

التعليقات ( 1 )

  • #1
    بواسطة : الدوسري
    09-11-1431 10:35 صباحًا
    الله على الذكريات الحلوه
    والله وانت صادق لازم الاباء يحنون شوي على ابنائهم
التعليقات ( 1 )

  • #1
    بواسطة : الدوسري
    09-11-1431 10:35 صباحًا
    الله على الذكريات الحلوه
    والله وانت صادق لازم الاباء يحنون شوي على ابنائهم
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:36 مساءً السبت 20 صفر 1441 / 19 أكتوبر 2019.