• ×
  • تسجيل

سامــح نفــسك

 0  0  2.7K
أعني بذلك الأمر شخصين :
الأول :
وقع في معصية ، ثم تاب منها توبة نصوحا ؛ فأقلع منها وندم على مافات، وعزم على عدم العودة ... وكلما تقدم في الطاعة جاءه الشيطان يقول : تذكر فعلتك التي فعلت وأنت من الضالين..!!
مافعلته عظيم ، ومنكركبير .. إنك لست بكفء أن تكون في زمرة الصالحين ... حتى تضعف نفسه ... ويبدأ في تحقيرها وإصغارها وإذلالها ... وقد يوصله ذلك إلى اليأس من رحمة الله فيقنط ، فيقع في معصية عظيمة {ولا تيأسوا من روح الله إنه لاييأس من روح الله إلا القوم الكافرون}[ يوسف :87 ]
أقول : سامح نفسك وذاتك عن أخطاء وقعت فيها ثم تبت منها ... وكأن شيئالم يكن... لماذا ..؟
لأن ( التائب من الذنب كمن لاذنب له )( ) وهل هناك بعد الكفر ذنب أعظم من العزم على قتل محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إنه أعظم جرم وذنب يكتب في التاريخ .... ذاك عمر (رضي الله عنه ) قد همَّ به ولكن الله سلَّمه فأسلم ....وحسن إسلامه... وتاب من الكفر ومن ذاك الذنب العظيم ... ولم تشغله تلك الأخطاء ... لأنه لو فعل لأعاقته عن العطاء والبذل والجهاد للأمة ... فكان بحق ثاني الخلفاء ومن العشرة المبشرين بالجنة ... ومناقبه لاتخفى ...
هكذا ينبغي ألا نحقر ذواتنا على أخطاء وقعت منا وتبنا منها ... لماذا ؟؟؟
لأننا بشر ومن صفاتنا الخطأ والصواب ... فلسنا كالملائكة معصومين من الخطأ ...( قال رســول الله صلى الله عليه وآله وسلم ) والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ، ولجاء بقوم يذنبون ، فيستغفرون الله ، فيغفر لهم )( )
إن من شروط التوبة الندم على الذنب ... الندم على مافات من وقت ضاع في غير طاعة الله .... إن هذا الندم يجعله يعطي من وقته أكثر في الطاعة .... لعله يعوض عما سلف ... ويجتهد أن يقدم شيئا يرضي به ربه ....ويستدرك الأنفاس والساعات التي بقيت له فيحرص أشد الحرص عليها فلايضعها إلا في طاعة لله...
إن هذا الندم يدفعه للعمل الجاد واستدراك ماتبقى من عمره ... بينما تحقير الذات واستصغارها واحتقارها يوصله إلى كبت عطائها ... وشلِّ إبداعها... فلا تراه يقدم إلا الهموم والغموم والذل وربما أوصله إلى اليأس والقنوط ..
ولذلك نهى الرسول ( صلى الله عليه وآله سلم ) عن سب الصحابي ( رضي الله عنه ) الذي أقيم عليه الحد ، عن (الحنفي قال : كنت قاعدا مع عبد الله قال: إني لأذكر أول رجل قطعه ، أُتِي بسارقٍ فأُمر بقطعه، وكأنما أُسِفَّ وجهُ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: قالوا: يا رسول الله ،كأنك كرهت قَطْعَه؟ قال: وما يمنعني ، لا تكونوا عونا للشيطان على أخيكم،إنه ينبغي للإمام إذا انتهى إليه حد أن يقيمه، إن الله عز وجل عفو يحب العفو) ( )
( عن عمر بن الخطاب،أن رجلا كان على عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ) كان اسمه عبد الله ، وكان يلقب حمارا ، وكان يُضحك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ) قد جلده في الشراب ، فأُتي به يوما ، فأُمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه ، ما أكثر ما يؤتى به ! فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ) لا تلعنوه ، فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله ) ( )
انظر هنا ؛ النقد والجلد للمعصية التي وقعت من الصحابي ( رضي الله عنه)... أما شخصه وذاته ...فلا (فوالله ماعلمت إلا أنه يحب الله ورسوله) ردا على من شتمه ( رضي الله عنهم جميعا ).
الثاني :
وقع منه أخطاء في حياته كأيِّ إنسان آخر يخطيء... تكلم في مقام فأخطأ ... فبقيت في نفسه كلما تذكرها قرّع نفسه ...ووبَّخ ذاته ... وحقَّرَها لماذا هذا الخطأ..؟؟ وكأنه يريد أن يكون كالملائكة لايخطيء ...
دخل في تجارة فخسر فيها ... فضاقت الدنيا في وجهه ....وعَبَسَت الوجوه في وجهه( لا لم تَعْبُس ولكنه يراها كذلك فقط فهو كمايرى ) ثم بدأ يُؤنب ضميره ... ولماذا ربح غيري وخسرت .... فلان أحسن مني ، دخل معي وربح أما أنا فحظي المنحوس...ويبدأ يلوم ذاته ويحقرها حتى تصغر وتذل... ويصبح يرى الناس أنهم يرونه كذلك وفي الحقيقة الناس كل مشغول بنفسه ( ولكنه رأى نفسه كذلك فيظن أن الناس يرونه بهذا المنظار)....
امرأة تزوجت ولم توفق في زواجها ... فكان الطلاق ... قد يكون السبب منها ، ولكن لن تعرف ذلك إلا بعد وقوع المصيبة ، وقد يكون السبب من الزوج .... فتبقى في حياتها بعد هذا المنعطف ؛ كئيبة حزينة... وتنظر إلى هذا الموقف أنه نهاية حياتها ... فلا ابتسامة تزورها .... ولا طرفة تضحكها... ولا حديث يؤانسها ... ثم تنـزوي في قعر البيت ،لا تزور قريبا ، ولا تود أن يزورها قريب ولاصديق...
ويحضرني قصة لأحد الأخوات ذكرها الدكتور / مريد الكلاب في شريط عنوانه ( صناعة الذات ) يقول: اتصلت علي امرأة وقالت :ياشيخ ، لقد قررت أن أنتحر ، قال : ولماذا ؟ فقصت خبرها عليه وقالت : تعرضت في صغري إلى حريق في المطبخ ، فأثَّر على بشرتي وشوَّهها ، ومع محاولات التجميل إلا أنها لم تنفع، درست المرحلة الابتدائية والمتوسطة والثانوية ، والناس ينظرون إليَّ بنظرة فيها شفقة ورحمة ، وأنا لا أريد تلك النظرات، واصلت دراستي الجامعية ... ومازالت العيون الراحمة تلاحقني ...وتخرجت في الجامعة ... والآن لم يعد لي صبر ولاجلد.. لقد قررت أن أنتحر!!
فهدَّأ الشيخ من روعها ، وقال : لقد اكتشفت عندك ميزة عظيمة من ثنايا حديثك تقل عند الرجال ، قالت : وباستغراب ، أنا عندي ميزة !!!قال : عندك ميزة لو وزعت على بعض الناس لأزاحوا الجبال... ماهي ؟ قال : الصبر وقوة التحمل والمجاهدة لفترة عظيمة .... إني أهنئك على هذه الميزة وأود أن تستفيدي منها ..... وبعد أشهر تتصل عليه وتقول : أبشرك ، أنا الآن مديرة لجمعية تحفيظ القرآن ولنا نشاط مثمر ...

هنا سامح نفسحك وارفعها إلى مقام جيد يتناسب معها ... وقل لها : إن أنا أخطأت فقد أخطأ من هو أفضل مني ... وإن حصل مني تقصير فكل البشر كذلك إلا من عصمه الله من الأنبياء... فطبيعة البشر أن يخطئوا... فإذا أخطأت في شيء لم تتعمده فهذا أمر طبعي وهل هناك إنسان لايخطيء... بل لو دقَّقَ الإنسان مع نفسه وجد أنه يخطيء في اليوم أكثر من مرة لأنه بشر ومن صفات البشر الخطأ ( كل ابن آدم خطَّاء وخير الخطَّائين التوَّابون ) ( )
تعلم قبول التسامح
( ٭ اصفح عن نفسك ، وسامحها عن كل ما اقترفته من اخفاقات ، وتقصيرات في الماضي ، وعن كل السبل المتاحة التي لم ترق بها إلى مستوى قواك وإمكانياتك .

٭ تُعدُّ إدانة الذات عقبة في سبيل تدفق الطاقة الكونية إلى حياتك ، وهي كذلك تسلبك الحيوية ، والحماس ، وسعة الأفق وما إلى غير ذلك في حياتك . إنها تسبب الفشل والتعاسة .

٭ إن التسامح مع الذات يجلب البهجة والسعادة والرفاهية. تعلم كيف تصفح عن ذاتك وتسامحها .

٭ مع الذات الإنسانية الحقَّة في جوهرها ؛ ليس هناك من يمكن وصفهم بالسمو ، وآخرون يمكن وصفهم بالخسِّة والدناءة ؛ لأن الله خلقنا جميعا على الفطرة السليمة .

٭ انس كل الإخفاقات والقصور التي واجهتك في الماضي ، وكذلك كل مالم يعمل على رفعتك وإظهار قدراتك .

٭ لاتبدد طاقتك ،وحيويتك في التفكير بشأن نقائصك السالفة ، ولا الإخفاقات السابقة ، ولا أي شيء من أشكال الهموم الذاتية ؛ لأنك بفعلك هذا كأنك تنبش قبراً ، فهل عسى أن تجد إلا هياكل وجماجم ..؟!( )

همسة:
تسامح وسامح نفسك وذاتك من معصية تبت منها ومن خطأ مرّ عليك لكونك بشر تصيب وتخطيء...واعلم أن خطأك سُلَّمُك إلى النجاح ، وذاك أنك وإن أخطأت فهو خطأ واحد ، ولكن انظر إلى نجاحاتك الكثيرة الكثيرة ...فرقم واحد مقابل رقم عشرة ... لامقارنة 1/10 إذا كان الخطأ واحدا والمحاسن عشرا فالحمد لله .
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها كفى المرء نبلا أن تعدّ معايبه

محمد بن سعد آل زعير
زيادة حجم الخطزيادة حجم الخط مسحمسح إنقاص حجم الخطإنقاص حجم الخط
إرسال لصديق
طباعة
حفظ باسم

التعليقات

التعليقات ( 0 )

التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 05:48 صباحًا الأحد 17 ذو الحجة 1440 / 18 أغسطس 2019.