• ×
  • تسجيل

المغامرة الجريئة

 1  0  2.8K
عرفته متهاوناً...مُسْتهتراً...لا يرى عليه حقاً لأحد...يسهو ويلعب...ويسرح ويمرح....له من الثُّلَّة الفاسدة شرُّ عَونٍ على الظلم والعدوان...التقيته مِراراً وكان لي مع مُسَاجلات...ووقفات...ولكن لا حياة لمَنْ تُنادي، ومع ذلك كنت أعزِّي نفسي بقوله تعالى:{ فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ} [الشورى: 48]، وقوله تعالى:{ إنك لاتهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين} [القصص: 56].
وذات مرة وهو بجانبي ...أخذ يلهو بالمسبحة كعادته...وقد وضع رِجلاً على أخرى...ويودُّ أن يُشعِلَ السيجارة لولا حياء تَغَشَّاه بوجودي...همست في أذنه...
أخـي: حتى متى هذه الغفلة...؟ حتى متى هذا النكوص والإعراض عن طاعة الله...؟ إلى متى سيبقى يتصاعد هذا الدخان من فمَّك الطاهر الذي يشتاق إلى ذكر الله والتلذذ بحديثه...؟ إلى متى ستعيش على هذه الحال...؟ ألم تعرف زيداً وأحمد وإبراهيم..؟ لقد عادوا إلى الله وتركوا الشيطان وحزبه...
التفت إليَّ وعلامات الاستفهام والاستغراب على محياه...صحيح ما قلت...؟ قلت: نعم...وهل جرَّبت عليًّ كذباً..؟ قال: لا...بدأتُ أحدثه حديثي ولكنه شَرَد بذهنه عني سارحاً...وفجأة توقفت عن الحديث فانتبه...وكأنك قد أيقظته من النوم...
قلت: ما بك؟ قال في تلعثم: لا، لا،لا شئ...
قلت: أخي الكريم، قرناء السوء أغروك حتى وقعت في حَمْأَةِ المعصية...عن طريق المغامرة والتجربة...أليس كذلك؟ قال: بلى...
قلت: أمَّـا أنا فسوف أعرض عليك مغامرة ربما تكون جديدة من نوعها...فهَلا تغامر معي!! استدار بوجهه إليَّ مُتهللاً فرحاً مسروراً...بأي شيء أُغامر معك...؟
غامر واسلك معي سلوك درب المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم)...تجشَّم واترك ماضيك الأسود...حاوِل واخلع أَسْمَال( ) المعصية البالية...تحدَّ القرناء...وداوِم على الصلاة مع الجماعة...
بِـرَّ بوالدتك فلم يعد لك في هذه الدنيا إلا هي بعد وفاة والدك (رحمه الله)...وقد قال أحد السلف لمَّا توفي والده: اليوم أُغلق باب من أبواب الجنة، وبقي لي واحد...يعني والدته...
فاحرص على طاعتها والزم رجليها فَثَمَّ الجنة...عليك باستبدال الشريط الغنائي التافه بالشريط المفيد...
قـال: لقد أكثرت عليَّ فبأي شيء تريدني أغامر...؟ اختر لي واحدة... قلت: عليك بالصلاة... قال: اتفقنا...
وتمرُّ الأيام والشهور ولم أعد أراه لكثرة أعمالي وبُعْد مسكنه عني...أحاول السؤال عنه ولكن الإجابات لا تشفي الغليل...ويُقدّر الله أن أحضر محاضرة في أحد مساجد المدينة، لأحد العلماء...فكم تمنيت أن صاحبي من بين الحاضرين...لأنها كانت محاضرة قيمة تداوي الجراح...وتروي الظمآن...وتُلامِسُ شِغَاف القلوب...
حديث الشيخ كأنه موجَّه إلى صاحبي...فكم تَفَرَّستُ في وجوه الحاضرين لعلِّي أجده بينهم...ولكني عُدتُ أدراجي لم أره...فعزيتُ نفسي عندما رأيت آلة التسجيل؛ تسجل هذه المحاضرة...وقلتُ في نفسي: أول نسخة منها ستكون أجمل هدية إليه...
وعقب الصلاة ذهبت إلى سيارتي فإذا بشخص واقف عندها...أوَّل مرة أراه...كثُّ اللحية...شابٌ في مقتبل العمر...يظهر عليه سِيمَا الصالحين...قلت في نفسي: ربما أن سيارتي قد أغلقت عليه الطريق... لا... لا... لا أدري...
سلَّمت عليه، فردّ عليَّ والتزمني...حاول أن يُقبِّل رأسي، ولكني جاهدته كثيراً حتى تفلَّتُ منه...
أأنت فلان...؟ قلت: نعم، وأنت؟ قال: أنا عبد الرحمن... استضفته معي إلى المنزل...وكان اللقاء جميلاً جداً، ولكني لم أعرف الرجل حتى الآن...ودار حديث ذو شجون...وكأنه يَلْمحُ على محيايّ علامات استفهام واستغرب...قال: لعلك تريد أن تعرف من أنا؟ اسمي عبد الرحمن، جئتك أحمل رسالة شفهية من زميل لي تعرفت عليه واهتديت على يديه، إنه صالح...الذي كان لك معه لقاءات وتوجيهات ونصائح ومغامرات...وطبَّق ما أوصيته به فانتفع بذلك نفعاً عظيماً...وهو يُحملُني إليك رسالة عظيمة... بالسلام والدعاء في ظهر الغيب...
قلت: أين مكانه الآن...؟ فإني لمشتاق إلى مَرْآه الجديد...والجلوس معه مرة أخرى...قال: إن نفسه غلبته على الجهاد...فلازمه ملازمة الظل لصاحبه...ولم يعد يستطيع التخلي عنه...وكان يبكي كثيراً على ماضيه السيئ ويقول: لعل الله أن يرزقني الشهادة فيغفر لي ما سلف وكان...
قلت: لعل الله أن يجمع بيني وبينه مرة أخرى على خير...وبعد تناول الطعام طلب الانصراف ورغبت أن يَبِيتَ عندي، ولكنه اعتذر بأدب فأذنتُ له...وتمرُّ الأيام والليالي وأنا دائم التفكير في صاحبي لعلَّ لقاء يكون.
وإني لأهوى النومَ في غير حِينِهِ
لعـل لقاءً في المنامِ يكـونُ( )
ويأتي ذلك اليوم الذي تهدَّدت فيه آمالي...وتطايرت تطلعاتي...وانْلَذَع فؤادي...وانهمل دمعي على خدي مدراراً...
ذاك اليوم الذي دخلتُ فيه المسجد لأُصلي الظهر وبعد الصلاة...قالوا: صلوا على الميت يرحمكم الله...فصلينا ودعونا له...ولما انقضت الصلاة همست في أذن جاري: من المتوفى؟ قال: رجل كان في الجهاد وطلبته أمه ليرجع إليها فهي لا تستطيع الحياة بدونه...وفي الطريق وقد اقترب من المدينة كان الحادث، وكانت منيته...يُقال له صالح...فرحمه الله رحمةً واسعة...لم أعد أستطيع أن أُغالب عيني...وإن كنت جَلِداً مِراراً...فإن هذه الساعة لم تسعفني قواي للمواجهة...فندَّ الدمع السخي من العين...ثم انهمل...والرجل يَرقُبُ المنظر مستغرباً...قلت في نفسي: (ويلٌ للشَّجِي من الخَلِي( )) تبعته معهم إلى المقبرة وواريناه في قبره ودعونا له...
ثم رجعت ورِجلاي لا أستطيع حملهما من هول المصيبة...كنت مشتاقاً أن تكتحل عيناي بمرآه...وأن تلذَّ أذني بسماع خِطَابه وحديثه ومغامراته الجديدة...ولكن قضاء الله وقدره وما شاء فعل...فله الحمد على ما أعطى، وله الشكر على ما أخذ...فبيده الأمر من قَبْلُ ومن بَعْدَ...فسبحانه جلَّ وعزَّ وتقدَّس لا يُسأل عما يفعل...والحمد لله على كل حال...
رجعت إلى المنزل لأرتاح قليلاً وأدعو لصاحبي ثم أذهب فأعزي أهله...فإذا بالباب يُطرق...وكان الطارق عبد الرحمن...سَلَّم، فرددت: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته... وعزيته في صاحبه وكان متأثراً جداً لهول المصيبة...فواسيته ومسحت ما على فؤاده من الحزن بالكلمة والأمل في مغفرة الله له...وإن كنت بداخلي أنا المصاب...!!
وبعد تناول الشاي أخرج إليَّ ورقة وقال: هذه رسالة من أخي صالح أرسلها إليك قبل وفاته...وكأنه قد أحسَّ أنه لن يراك...
أخذتها ووضعتها على المِنْضَدَة...وبعدما انصرف اتجهت إلى مكتبتي الصغيرة ثم حاولت فتح الرسالة...فكان دمعي يسابقني على فتحها...وقد كان أمل في لقاء ولكن قدر الله وما شاء فعل...ولعل اللقاء يكون عند ربي في جنات النعيم، فإذا فيها بعد البَسْمَلة والحمْدَلَة...
أخي الحبيب، أخي الغالي، أخي الفاضل: لا أستطيع أن أجزيك على ما قدمت، لي ولكن حسبي من ذلك أني في كل صلاة لن أنساك من دعائي.
أخي الكريم: لقد انْتَشَلْتَني من وَطِيس المعاصي...والذلِّ والهوان...لقد أضأت في قلبي نوراً يشعُّ بالهدى والإيمان...لقد مزَّقت ظلامي الحالِك...وبدَّدْتَه إلى غير رجعة إن شاء الله...لقد غامرت كثيراً كثيراً ولكن كانت في معصية الله...في شرب الدخان...في المخدرات...فيما يُغضب الله...أما وقد نصحتني أن أغامر، فأنا أحب المغامرة...بكل قوةٍ أيَّـا كانت المغامرة، ولكن كانت هذه المرة في طريق لم أسلكها من قبل...وكثيراً ما ترددت في خوض غِمَارها...ولكن من باب التحدي وباب المغامرة دَلَفتُ إلى هذه المخاطرة الجديدة، فقط من باب المغامرة...!!
وكانت مغامرة جميلة ورائعة ولكنها في البداية كانت صعبة وشَاقَّة...ليست كمغامراتي التي أعرفها، فقد كانت مغامراتي سهلة في البداية جداً ومُغرية جداً، ولكن خواتيمها مُرَّةٌ بل عَلقمٌ يتوسط الحلق...فلا نازلاً ولا صاعداً...ولأني جَلِدٌ على المغامرات واصلت مغامراتي الجديدة...نعم كانت مغامراتي الأولى في الصلاة...فَنِعمَتْ المغامرة ونِعمَ المُوصي بها...
صحيح أني تعبت قليلاً...ولكني وجدت لها طعماً ومذاقاً آخر غير المغامرات السابقة...
ومن هنا أناشد أصحابي السابقين...وأصحاب المغامرات الفاسدة؛ أن يسلكوا هذا الطريق...وهذه المغامرات المفيدة، فإنها والله لأجمل مغامرة عرفتها في حياتي...فيها التعب والمشقة ولذة المغامرة...ثم الطمأنينة التي تحصَّلت عليها...
ومن سيئ المغامرات؛ مغامرة قديمة...كانت مع فتاة اسمها رائع...إنها مَـيْ...مَـيْ الباسمة...مَـيْ المستهترة...مَـيْ ذات الجمال البارع...سلبت عقلي منذ سمعت صوتها لأول مرة...وكانت في قلبي أوقع عندما شاهدتها وجهاً لوجه...تعرَّفت عليها عن طريق سماعة الهاتف...وكانت لي معها مغامرات كثيرة...ليس هناك داعٍ لسردها...ولكني عُدت إلى ربي وتركت تلك المسامرات والمهاتفات واللقاءات...التي تُودي بالإنسان إلى الهاوية...والغريب أخي الفاضل، أنها مازالت تُكلمني عبر الهاتف، وتُلحُّ معي بالحديث؛ أن أُرْجِعَ لها الماضي التعيس...تقابلني في الشارع فتلاحقني بسائقها...تُرسل عليَّ النظرات تِلو النظرات علَّني أعطيها وَعْداً...كلمة ليِّنَة...لقاءً...ولكن دُون جدوى... إنني أخشى على نفسي...
ما الحل أيها الأخ الفاضل؟ أرشدني...دُلني على الطريق المناسب للتخلِّص من هذا المأزق...ربما تقول لي: لو صبرت ودعوتها إلى الحق...ودعوت لها بالهداية لأرجو أن الله يُعينك ويهديها { يابني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور} [لقمان: 17]
أُجيبك أخي: إني قد فعلت ولكن الهداية بيد الله...
أخي الحبيب: شَوقي يحدوني لمرآك...وأملي يسوقني لسماع حديثك الشَّجِي...وإلى كلماتك النيِّرة المشرقة...التي طالما أعرضت عنها صَفْحاً...ولكن لا أدري أيكون لقاء مرة أخرى...؟ إني لأرجو ذلك...!


فهل مِن لقـاءٍ مُعرضٍ أوْ تحيـةٍ
مع الركب يغشَى أو معَ الطيفِ سارياً( )
فإن يكن؛ نَسْتَزِد من المغامرات الجميلة...والحديث العَذْب الموشَّى بِكلام الله (عزَّ وجل) وكلام الحبيب (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإن لم يكن لقاء في الدنيا فعند الله اللقاء { في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر} [القمر: 54،55].
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته...
أغلقت الرسالة لأضعها في الظرف وكأني أضغط على فؤاد من شدة الأسى والحزن...وأنا أقول: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته...
أما وقد كنت عند ربك الآن، فإني لأرجو من الله ( عزَّ وجل) أن يَشملك بعفوه ورحمته، وأن يجمعنا بك في الفردوس الأعلى.

إذا ما خَليلٌ حلَّ في بَرزَخِ البِلَى
فَحَسـبي بِه نَأْياً وَبُعْدُ لِقَــاءِ


الكاتب:
الأستاذ محمد بن سعد آل زعير
الموقع الرسمي للأستاذ محمد بن سعد آل زعير
زيادة حجم الخطزيادة حجم الخط مسحمسح إنقاص حجم الخطإنقاص حجم الخط
إرسال لصديق
طباعة
حفظ باسم

التعليقات

التعليقات ( 1 )

  • #1
    بواسطة : سعود
    10-06-1431 02:51 صباحًا
    مقال اكثر من رائع

    جزاك الله خير وجعله في موازين حسناتك
التعليقات ( 1 )

  • #1
    بواسطة : سعود
    10-06-1431 02:51 صباحًا
    مقال اكثر من رائع

    جزاك الله خير وجعله في موازين حسناتك
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 04:19 مساءً الأحد 18 ربيع الثاني 1441 / 15 ديسمبر 2019.