• ×
  • تسجيل

المتدين إنسان

بواسطة : تركي الشثري
 1  0  2.8K
المعصية إن تجريم سامع الأغاني أو ممارس العادة السرية يفضي به إلى ترك الفرائض. ذكر لي شاب أنه هجر المسجد خمس سنوات بأكملها؛ لأنه يحتقر ذاته عندما يمارس العادة السرية. يقول مارستها سنتين، والثلاث السنوات الأخرى نتجت عن انصراف قلبي عن الصلاة، ويكمل -بكل حسرة- والسبب في ذلك التشنيع الكبير على ممارس العادة السرية. يجب علينا أن ننكر المنكر، ونبين مغبة الخطايا، ولكن دون مجاوزة الحد الشرعي، وألاّ ننسى الغايات في لجة الوسائل؛ فغايتنا أن يتوقف العاصي عن المعصية، ويعود إلى رحاب الطبيعة الإنسانية.. فما بالنا نقطع عليه خط الرجعة ونقنطه من روح الله؟ ما بالنا نصور المتدين كملاك يرفرف بجناحيه فوق شهوات الناس وشبهاتهم وكأن ماء الإيمان يُرى رقراقاً في عروقه الشفافة؟! إن المتدين بشر يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق، ويعتريه ما يعترى البشر من الخطأ والنسيان والخطيئة أيضاً، ولكنه لا يلبث أن يتوب. إنه مجاهد (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا)، وهنا سؤال: هل المجاهد معدوم النوازع البشرية؟ لو كان كذلك لكان جبريل..! إنه مجاهد.. إنه يعاني بشريّته وشهواته وشبهاته، ولكنه يستعين بالله،
- المعصية إن تجريم سامع الأغاني أو ممارس العادة السرية يفضي به إلى ترك الفرائض. ذكر لي شاب أنه هجر المسجد خمس سنوات بأكملها؛ لأنه يحتقر ذاته عندما يمارس العادة السرية. يقول مارستها سنتين، والثلاث السنوات الأخرى نتجت عن انصراف قلبي عن الصلاة، ويكمل -بكل حسرة- والسبب في ذلك التشنيع الكبير على ممارس العادة السرية. يجب علينا أن ننكر المنكر، ونبين مغبة الخطايا، ولكن دون مجاوزة الحد الشرعي، وألاّ ننسى الغايات في لجة الوسائل؛ فغايتنا أن يتوقف العاصي عن المعصية، ويعود إلى رحاب الطبيعة الإنسانية.. فما بالنا نقطع عليه خط الرجعة ونقنطه من روح الله؟ ما بالنا نصور المتدين كملاك يرفرف بجناحيه فوق شهوات الناس وشبهاتهم وكأن ماء الإيمان يُرى رقراقاً في عروقه الشفافة؟! إن المتدين بشر يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق، ويعتريه ما يعترى البشر من الخطأ والنسيان والخطيئة أيضاً، ولكنه لا يلبث أن يتوب. إنه مجاهد (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا)، وهنا سؤال: هل المجاهد معدوم النوازع البشرية؟ لو كان كذلك لكان جبريل..! إنه مجاهد.. إنه يعاني بشريّته وشهواته وشبهاته، ولكنه يستعين بالله، ويعزم ولا يعجز. إنه المؤمن القوي، إنه المبتسم في وجه الحياة، ثم أيضاً هل يظن الظانّ أن الذي يجاهد نفسه كما في الآية ويهديه الله السبل أن المعنى الراحة وتوقف مجاهدة الشهوات؟! لا أبداً، لنهدينّهم سبلنا، إنها السبل الموصلة للجنة، وهذه السبل هي الأعمال الصالحة، والأعمال الصالحة تحتاج إلى مجاهدة، فليس لدينا مرحلة اليقين، والتي ترفع فيها التكاليف عندما يصبح الإنسان ملاكاً. لا أبداً!! الإنسان إنسان إلى أن يموت، الإنسان لا يصير ملاكاً، المتدين إنسان وليس ملاك. قال صلى الله عليه وسلم: \"قاربوا وسدّدوا، واعلموا أنه لن ينجو أحدٌ منكم بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلاّ أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل\". رواه مسلم. فالسداد: الوصول إلى حقيقة الاستقامة، أو هو الإصابة في جميع الأقوال والأعمال والمقاصد. وقوله: (قاربوا) أي: اجتهدوا في الوصول إلى السداد، فإن اجتهدتم ولم تصيبوا فلا يفوتنّكم القرب منه. فهما مرتبتان يطالب العبد بهما: السداد، وهي الاستقامة، فإن لم يقدر عليها فالمقاربة. إذن ليست القضية في التعامل مع الأشياء قضية سداد فقط بل هناك المقاربة، وهذا شافع للجميع، مع اختلاف الظروف والبيئات والاستعدادات النفسية أن يعملوا، فيا لله ما أرحب هذا الدين ..!! السيئة تأتي ومعها ظلمة في القلب، وسواد في الوجه، وبغض في قلوب الخلق، فكيف يخشع من هذا حاله؟! فالحل الحسنة؛ لأنها تأتي بضياء في القلب، ونور في الوجه، ومحبة في قلوب الخلق، وحريّ بمن هذا حاله أن يخشع. عندما يلغ المؤمن في المعصية يقنطه الشيطان تقنيطاً شاملاً أو جزئياً: - التقنيط الشامل: أن يقنطه من رحمة الله عموماً، ويلقي في روعه أنه لا يصلح لله فينفرد به فيهلك في أودية الدنيا ولا يأبه به. - التقنيط الجزئي: أن يحجبه عن الطاعة في ذلك اليوم الذي عصى فيه، فما أن يهم بفعل حسنة حتى يذكره السيئة؛ فهو لا يكتفي منه بتلك السيئة فقط، بل يريد أن يضم إليها إبعاده عن الله بترك الطاعة والله. (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ). [البقرة:268]. نعم، الله -عز وجل- يعلم أنك أذنبت، وهو يدلك على الحل، وفي هذا العزاء كل العزاء للمذنب والمقصر؛ إذ إن الحل جاء من الله لا من داعية ولا عالم ولا غيره (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ). عرفنا الظلمة والضياء وأثرها في سلوك الطريق إلى الله، أما المحبة والبغض في قلوب الخلق فما عسى أن يكون أثرها؟ نقول: هناك نوع من البرمجة النفسية بين الفرد والجماعة؛ إذ إن الذي يشعر أنه مبغض لذنوبه، مشكوك في أمره، بينه وبين الأخيار وحشة، لا يظن أن يأتي بخير، يثقل عليه ترك الذنب المألوف لديه والمعروف عنه، أما المحبوب المشار إليه بالبنان في عمل الخير، فيجد من نفسه نفوراً من الذنوب وتوثباً لعمل الصالحات، لذلك عرفنا معاني من مثل: تلك عاجل بشرى المؤمن، وأنتم شهود الله في أرضه... إذن (وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ) قال الله (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ)، وكل هؤلاء في الجنة، وجاء أعرابي إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- فسأله عن الإسلام، فعد عليه الأركان الخمسة، فقال الأعرابي: لأصلينّ ولأزكينّ ولأحجنّ ولأصومنّ، ولا أزيد على ذلك شيئاً أبداً. فقال عليه السلام: إن صدق دخل الجنة. بل إن الصراط المضروب على متن جهنم، والذي حتم الله وروده الجميع منهم يمر كالبرق، ومنهم كالريح، ومنهم كأجاويد الخيل، ومنهم الماشي، ومنهم من يزحف، ومنهم من يخدش وينجو، ومنهم المكردس في النار. إذاً المكردس فئة واحدة لها بطبيعة الحال أصناف، بينما الناجون على سرعات عدة، وقد ادخر الله (99) رحمة لذلك اليوم، وهنا أذكِّر بأن مثل هذا الكلام أورده في مقابل اليأس والقنوط وعذاب الضمير الذي لا يستكين عندما كف كثير من الطاقات عن العمل، وانزوى كل واحد على معاصيه ونفسه اللوامة، وإلاّ فمن المتقرر عندنا أن الله أخذه شديد، وأن الأجدر بالمؤمن المنافسة في الخير، ونجمع كما هو حال أهل السنة والجماعة بين أحاديث الوعد والوعيد.. - التوبة ولذة المناجاة دائماً ما يقول بعض الشباب: ما أجمل أيام التوبة وذكرياتها!! كنا نقوم ونصوم ونفرح بالطاعات، أما اليوم فدبّ فينا الكسل، يود أحدنا لو يستطيع صلاة الفجر في جماعة ثلاثة أيام متوالية فقط.. وشيء من هذا الكلام .. الإجابة عن هذا والحل في متناول اليد. هو أنك أيها الشاب في أيام التوبة منكسر خاضع لله، معترف بما كنت تقترف، تكره أن تعود في المعصية، بل وترك الصلاة الذي هو كفر، كما تكره أن تُلقى في النار. أما الآن فتنظر في المرآة، فإذا بسيما الخير والصلاح، فيدخلك شيء من العجب، وقد تدل على ربك بهذه العبادة، وإن استغفرت فاستغفار ترف، لا استغفار اعتراف، وهنا يكمن الفرق بين أيام التوبة وأيامك هذه. عدْ إلى انكسارك وخضوعك لربك، ومقامات إياك نعبد وإياك نستعين، وستجد ما كنت تجد من روح العبادة ولذة المناجاة.. وهنا مثال قد لا ينطبق تماماً على ما نذكر، ولكن فيه فائدة بإذن الله. عندما يخرج الخباز الرغيف من الفرن يكون حاراً، فإذا وضعه ومر عليه عشر دقائق برد وبهت، ووقع عليه الذباب. هذا حال التائب لما خرج من المعصية للتوّ كان راجعاً نادماً مستغفراً تلسعه نار المعصية، ولكن لما ركد وترك الاستغفار والبكاء في الأسحار تساقطت عليه الآفات وثقل قلبه.. فيعلم هنا أن المقصود في أي كلمة أو درس عن التوبة الجميع؛ العالم، والجاهل، والطائع، والعاصي. وهنا سؤال يحسن بالمؤمن الوقوف عليه بعد ذكر لذة الطاعة: هل أنت تعبد الله من أجل لذة الطاعة أم لوجه الله ورغبة في الجنة وخوفاً من النار؟ يتوب الشاب فيفرح الله به أشد من فرح صاحب الناقة بناقته، فيعطيه لذة العبادة، هبة منه وكرماً، فلا يلبث أن يُسلب هذه اللذة امتحاناً له فإن صبر أعطاه الله النفس المطمئنة (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي). وإن لم يصبر إما انتكس، وإما بقي جسداً لا روح فيه، إن عُصي الله لم يتمعَّر وجهه، وإن دُعي لنصرة الدين كان مصيبة يُراد لها الحل. قال الشاعر: وزهّدني في الناسِ معرفتي بهم**** وطولُ اختباري صاحباً بعد صاحبِ فلم ترني الأيامُ خلاً تسرُّنــي **** مباديه إلاّ ساءني في العواقــبِِ ولا قلتُ أرجوه لكشفِ مصيبةٍ**** من الدهرِ إلاّ كانَ إحدى المصـائبِ الإسلام اليوم
زيادة حجم الخطزيادة حجم الخط مسحمسح إنقاص حجم الخطإنقاص حجم الخط
إرسال لصديق
طباعة
حفظ باسم

التعليقات

التعليقات ( 1 )

  • #1
    بواسطة : حمد
    10-13-1431 09:25 صباحًا
    بارك الله فيك اخي تركي ووفقك الى ما يحبه ويرضاه

    ونعم الشخص انت

    اتمنى ان نرى حروفك في المستقبل وان لا تقطع عنا سيل عباراتك
التعليقات ( 1 )

  • #1
    بواسطة : حمد
    10-13-1431 09:25 صباحًا
    بارك الله فيك اخي تركي ووفقك الى ما يحبه ويرضاه

    ونعم الشخص انت

    اتمنى ان نرى حروفك في المستقبل وان لا تقطع عنا سيل عباراتك
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:24 صباحًا الإثنين 21 ربيع الأول 1441 / 18 نوفمبر 2019.