• ×
  • تسجيل

في ضوء سورة الحجرات وقفات

 1  0  3.3K
الحمد لله الذي جعل القرآن تبياناً لكل شي وهدى ورحمة للمؤمنين، وجمع فيه أصول الدين وفروعه، وأصلح به الدنيا والدين، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أكمل الخلق وسيد المرسلين، اللهم صل وسلم وبارك على محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم إلى يوم الدين أما بعد:

أحبتي في الله قراء هذه الصحيفة الكرام كنت قد ألقيت خطبة الجمعة في جامع الأحمر الكبير عن هذه السورة الكريمة، ورأيت من المناسب نشرها بعد تهذيبها وترتيبها لتعم بها الفائدة،
، سائلاً المولى الكريم أن يجعلها حجة لنا يوم نلقاه، فأقول مستعيناً بالله هذه السورة مدنية قصيرة تضمنت آداباً وأحكاماً كثيرة، فأقف معه وقفات:

الوقفة الاولى: حول قوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِين} وقد نزلت هذه الآية في الوليد بن عقبة بن أبي معيط فروى أبو سعيد عن قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث الوليد بن عقبة مُصدِقاً_ أي آخذاً الصدقات_ إلى بني المصطلق، فلما أبصروه أقبلوا نحوه فهابهم لإحنة كانت بينه وبينهم فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره أنهم قد ارتدوا عن الإسلام فبعث نبي الله عليه صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد وأمره أن يتثبت ولا يعجل ، فانطلق خالد حتى أتاهم ليلاً، فبعث عيونه، فلما جاؤوا أخبروا خالداً أنهم متمسكين بالإسلام، وسمعوا أذانهم وصلاتهم، فلما أصبحوا أتاهم خالد، ورأى صحة ما ذكروه، فعاد إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فنزلت الآية، فيؤخذ منها أن على المسلم أن يتثبت في نقل الأخبار، وأن لا يتهم أحدا من المسلمين بفرية حتى يتثبت في ذلك لئلا يقع نادماً على فعله، ولذلك جاء في الشرع ذم النميمة وإساءة الظن بالمسلم.

الوقفة الثانية: حول قوله تعالى { وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} فجعل الله سبحانه وتعالى الإيمان أحب الأشياء إلينا وحسنه في قلوبنا وجعل الكفر والفسوق مكروهاً في قلوبنا وذلك منة منه وفضلا.

الوقفة الثالثة: حول قوله تعالى {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا..} وقد نزلت هذه الآية لما تقاتل الأوس والخزرج وقيل حيان من الأنصار بالعصي والنعال فأمر الله بالإصلاح بينهما ولم يأمرهم بأن يدخل كل في حيه ويقاتل، وفي هذا دعوة لكل مسلم أن يسعى في الإصلاح وأن يدعوهم إلى حكم الله، فإذا بغت إحدى الطائفتان ولم ترد الصلح كان واجباً على الجميع قتالها، ولما علم الله أن البعض قد يقاتل مع طائفته ولو كانت باغية أرشد فقال( وأقسطوا إن الله يحب المقسطين) أي العادلين، ثم أرشد الله إلى السبب في ذلك فقال الله( إنما المؤمنون إخوة) أي أن الجامع بينهم ليس القبلية ولا الحمية ولا الجاهلية وإنما الجامع بينهم هو الإيمان، قال الزجاج: الدين يجمعهم، فهم إخوة إذا كانوا متفقين في دينهم فرجعوا بالإتفاق في الدين إلى أصل النسب لأنهم لآدم وحواء.ا.هـ. ،جاء في الحديث المتفق عليه من حديث النعمان ابن بشير - رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"

الوقفة الرابعة:حول قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ..} والسخرية هي الاستهزاء سواء بخلقته أو كلامه أو قبيلته أو ما شاكل ذلك، وقد علل الله نهيه عن ذلك أن يكون المسخور بهم عند الله خيرا من الساخرين بهم، ثم نهى الله في الآية عن اللمز وهو العيب سواء كان باليد أو بالعين أو باللسان، قال بعضهم:

لا تكشفن مساوي الناس ما ستروا *** فيهتك الله ستراً عن مساويكا

واذكر محاسن ما فيهم إذا ذُكروا *** ولا تعب أحداً منهم بما فيكا


ثم نهى الله في الآية الكريمة عن التنابز بالألقاب والألقاب جمع لقب وهو تسميته بغير الذي سُمى به الإنسان كأن يقول لأخيه : يامنافق، يافاسق أو ماشاكل ذلك من الألقاب.

الوقفة الخامسة: حول قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ } الآية، ففيه النهي عن الظن لأنه أكذب الحديث جاء في الحديث المتفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا"

ثم نهى الله جل جلاله عن التجسس وتتبع عوات المسلمين وعن الغيبة وهي ذكر الرجل بما فيه ومثلها بأكل الميتة مما يدل على بشاعتها، قال الشاعر:

فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم *** وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا

فتأمل رعاك الله ما في هذه السورة من الدعوة إلى الأخوة وإلى الإصلاح وإلا التثبت وإلى النهي عن الظن والسخرية وعن اللمز والتنابز وعن الظن والتجسس والغيبة.

الوقفة السادسة : حول قوله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } وقد جاء في سبب نزولها أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بني بياضة أن يزوجوا أبا هند امرأة منهم، فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم نزوج بناتنا موالينا فأنزل الله هذه الآية، وقيل: إنها نزلت في ثابت بن قيس بن شماس، وقوله في الرجل الذي لم يتفسح له ابن فلانة، فقال النبي صلى الله عليه: من الذاكر فلانة؟ قال ثابت: أنا يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: انظر في وجوه القوم، فنظر، فقال: ما رأيت ؟ قال: رأيت أبيض وأسود وأحمر، فقال: فإنك لا تفضلهم إلا بالتقوى، فالمقصود من هذه الآية الكريمة أن الناس من آدم وحواء وأنهم متساوون لاتصالهم بنسب واحد وكونه يجمعهم أب واحد وأم واحدة، وأنه لا موضع للتفاخر بينهم بالأنساب، وقد قال جماعة من المفسرين سموا شعوباً لتشعبهم واجتماعهم كأغصان الشجرة، فهو من أسماء الأضداد شعبته إذا جمعته وشعبته إذا فرقته.

ثم أخبر سبحانه فقال : لتعارفوا أي ليعرف بعضكم بعضا، ولم يقل: لتتباهوا وتتفاخروا وتتقاتلوا،ولا ليقال هذه القبيلة أكرم من هذه القبيلة، بل جعل أكرمنا من تحلى بالتقوى، وأنها هي المراعى عند الله ورسوله دون الحسب والنسب،وقد أنشد بعضهم:

الناس في جهة التمثيل أكفاء*** أبوهمُ آدم والأم حواء

نفس كنفس وأرواح مشاكلة*** وأعظم خلقت فيهم وأعضاء

فإن يكن لهم من أصلهم حسب*** يفاخرون به فالطين والماء

ما الفضل إلا لأهل العلم إنهم*** على الهدى لمن استهدى أدلاء

وقدر كل امرئ ما كان يحسنه*** وللرجال على الأفعال سيماء

وضد كل امرئ ما كان يجهله*** والجاهلون لأهل العلم أعداء


فعلى المسلم أن يحذر من الجاهلية التي كانت عليها العرب قبل الإسلام من المفاخرة بالأنساب وقد جاء في القرآن ذم الجاهلية على اختلاف تنوعها فمن ذلك: قوله تعالى {وطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجَاهِلِيَّةِ} وقوله تعالى {وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّة} ِ وقوله تعالى {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ} وقوله تعالى {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ِ}

ومن مظاهر الجاهلية التي نراها في وقتنا الحاضر مايلي:

1_ الفخر بالأحساب2- نصرة أفراد القبيلة في الحق والباطل3- تحكيم غير شرع الله 4- الثارات التي لا تننتهي5- تغيير الآخرين في خلقهم وأشكالهم طاعة للشيطان {وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ } روى الإمام أحمد عن أب موسى الأشعري- رضي الله عنه- مرفوعاً" أربع بقين في أمتي من أمر الجاهلية ليسوا بتاركيها: الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب والإستسقام بالنجوم والنياحة" وروى الطبراني من حديث سلمان- رضي الله عنه- مرفوعا" ثلاثة من الجاهلية: الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب والنياحة"والحديث في هذا الموضوع يطول، ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق، فعلى المسلم أن يحذر من مظاهر الجاهلية، جنبنا الله وإياكم مظاهر الجاهلية، وجعلنا وإياكم ممن قال الله فيهم {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}

وجعلنا الله وإياكم ممن يعمل بهذا الكتاب، وممن يقوده إلى جنات النعيم، آمين إنه جواد كريم، والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

الشيخ عبدالعزيز بن أحمد السلامة

قاضي محكمة الأحمر
زيادة حجم الخطزيادة حجم الخط مسحمسح إنقاص حجم الخطإنقاص حجم الخط
إرسال لصديق
طباعة
حفظ باسم

التعليقات

التعليقات ( 1 )

  • #1
    بواسطة : أبو أحمد
    01-25-1432 05:02 مساءً
    جهد مبارك تشكر عليه فضيلة الشيخ اختيار موفق .
    جعل الله ذلك في موازين حسناتك.
التعليقات ( 1 )

  • #1
    بواسطة : أبو أحمد
    01-25-1432 05:02 مساءً
    جهد مبارك تشكر عليه فضيلة الشيخ اختيار موفق .
    جعل الله ذلك في موازين حسناتك.
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:44 صباحًا الأحد 24 ذو الحجة 1440 / 25 أغسطس 2019.