• ×
  • تسجيل

متى نعود؟

 0  0  2.6K

دَخَلَت وهي تبتسم...ترسل النظرات المتكسرة يمنة ويسرة...إنها فَرِحة جذْلانة طَرِبة تكاد من الشوق تطير...تُرى لماذا هذا كلِّه؟ إن المسكينة قد وقعت على تسريحة جديدة، وطِراز جديد من الملابس...كل هذا فقط!!
التفتت إليها أختها: ما الأمر وما الخبر؟ قالت: ما سمعت الخبر الذي سرني...؟ تنهَّدت أختها بزفرات حرّى ملؤها المرارة والحزن...
قالت: أَيْ هدى: إنَّك قد وقعت على كنـز عظيم...وثمن غالٍ نفيس...من لي بمثلك يتابع هذه المستجدات ويُوافينا بالجديد؟.. إنها خدمة لا مثيل لها...وعمل مشكور يثاب فاعله.
سألت هدى: أنت يا هند التي أعرفها بالصلاح والخير والزهد والورع تقولين هذا؟!
إنه لأمر غريب جداً! هل تغيَّر نهجك؟ أم تبدَّلت حالك؟ أم ماذا؟
وفي هذه الأثناء يدخل عليهما أخوهما سعد وعلى مُحيَّاه الكآبة والحزن...قد تغيرت ملامح وجهه...قال: أما سمعتما الخبر الصعب؟...قالتا: لا...وما هو؟ قال: لقد كنت وبعض زملائي في رحلة قصيرة إلى البر...وهناك لهونا واستمتعنا بالرحلة...ولما كانت العودة في الطريق، حصل لنا حادث انقلاب، مات اثنان والثالث انكسرت رجلاه، وأنا حصل لي بعض الجروح البسيطة...
أما المشهد والمنظر فهو رهيب جداً لهول وقعه وأبعاده في نفسي...كنت أخفَّهم ضرراً، فذهبت نحو أصحابي، أحرِّك أحمد وأناديه وأصرخ في أذنيه فلا يجيب...أذهب إلى علي...يا علي...أقلبه يميناً وشمالاً ولا مجيب ولا حراك..أتجه إلى سالم...فإذا فيه نَبْض حياة...قلبه يَنبض ولكنه في غيبوبة، والدم يسيل منهم جميعاً...المشهد صعب جداً.. إلى أين أتجه..؟ إلى أين المفر؟ رجعت لنفسي: ما الخبر؟ ماذا أفعل؟ وأنا في هذا التفكير والموقف الحرج يقف صاحب سيارة...ويهرول إليّ، أما أنا فقد غُشي علي من هول المصيبة، ولم أستيقظ إلا وأنا في المستشفى...أسأل عن أصحابي قالوا: إنهم بخير...ولكن قلبي لم يطمئن...كشف عليّ الطبيب وكنت سليماً والحمد لله...ليس بي سوى بعض الجروح...وقال: بإمكانك أن تخرج...فخرجت وبحثت عن أصحابي...ولابد أن أعرف الخبر، أما صاحباي علي وأحمد فقد توفيا يرحمهما الله...وكان الخبر عند أهليهما...فقد جاءوا إلى المستشفى لاستلام ولديهما...ذهبت مع الناس للصلاة عليهما ودفنهما...ولما وصلت المقبرة...تفكرت في نفسي: من أنا حتى لا أموت..؟ كيف بي لو أنا مكانه...؟ كيف بي وقد قبضت وقد كان الموت مني قريباً جداً؟
إن ما يدور في خلدي شيء واحد وهو أننا لم نطع الله في هذه الرحلة...حتى الصلاة لم نصلها...بماذا أقابل الله عز وجل؟ ماذا لو كنت أنا الميت؟.. ثم أجهش بالبكاء الحار...قالت هند لأختها هدى: أما سمعت...أما وعيت...أما تحرك قلبك...تخيَّلي أنك أنت التي قبضت روحك...بماذا تقابلين الله عز وجل؟ بالتسريحات الجديدة؟ أم بالأزياء المتقدمة والمتأخرة؟ أم بماذا؟...لا هذا ولا ذاك ينفع عند الله...ولكن إلا من أتى الله بقلب سليم... (لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ: عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ؟ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ؟ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلاهُ؟)( ) فالوقت الذي تضيِّعينه في هذه المتابعات له حساب يوم الدين...والوقت الذي يضيع فيما حرَّم الله له كتاب مرقوم...إني آمل منك لو سمعت هذا الشريط "توبة صادقة" علّ الله يفتح على قلبك...أخذت الشريط وذهبت إلى غرفتها...وبقيت هند مع أخيها تؤنسه وتخفِّف عليه المصيبة...وترغبه في رحمة الله والتوبة...وأنَّ الله قبل توبة القاتل المائة كما جاء في الصحيح...أما ترغب في رجاء الله ورحمته {قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لاتقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه الغفور الرحيم} [الزمر: 53].
بعد ذلك نظر إلى أخته ووجهه يشرق بالنور، نور التوبة والهداية، ثم يعاهد الله على ألا يعود إلى المعصية أبداً...وسُرّت أخته وفرحت بعودة أخيها إلى ربه...فكان شاباً لا يصحب إلا الأخيار...أما ثلَّته الفاسدة فنبذها وهجرها إلى غير رجعة، فكان أن تعلَّم العلم الشرعي وتفقه في دين الله...وكان من الدعاة المخلصين لهذا الدين...
أما هند فذهبت إلى أختها هدى تُبشِّرها بالبشرى السَّارة...ولما قرعت عليها الباب وجدتها تبكي بكاءً مراً...سألتها: ما الخبر وما الأمر؟ لماذا هذا النحيب؟ علّ في الأمر خيراً؟...ولم تجبها بشيء...سكتت هند ولم تعد تستطيع الكلام...جلست بُرهة في استغراب شديد...بعد ذلك خرجت تاركة أختها وهي تبكي بدموع حارة...ذهبت لتنام ولكن أين هي والنوم...؟ ياترى هل حرّك الشريط فيها حسّ الإيمان؟ أم هيَّجها سياط المعاصي على ضميرها وتريد أن تعود...؟ أم تبكي لألمٍ ألمًّ بها...؟ ويمضي الليل ولا نوم...
وفي الصباح الباكر تخرج هدى من غرفتها وتدنو من والدتها فتقبِّل رأسها...الأم تنظر في ذهول...ما الخبر...؟ هدى...تقبَِّل رأسي..!! وتحنو وتقبل يديَّ...إن الأمر لعجب!!...سلَّمت عليها بحرارة...وسألتها بكل العطف والمحبة عن حالها، بُنيَّتي: ما بك؟ التفتت البنت إلى أمها وعليها ابتسامة مضيئة مشرقة...ووجه بشوش...أمَّاه: عُدت...الأم: من أين؟ من طريق مخوف مهول...استبشرت الأم وفرحت بهذا الخبر المفاجئ...
وفي هذه الأثناء يطرق الباب عليهم طارق...مَنْ بالباب؟ إنه الأب قد جاء من رحلة علاج...وكأن عليه ملامح الشفاء...سلَّم عليهم...وعليه سلَّموا جميعاً، وحيّوه بأجمل التحايا...وأخذت الأم تقص عليه الأخبار وما حصل لولديها...ففرح بذلك أيَّما فرحٍ وقال: أين هما؟ إني أريد أن أسلم عليهما سلاماً جديداً...قالت الأم: سيأتون بعد قليل، ولكن أنت متعب من السفر وما عليك إلا أن تنام لترتاح علّ الله أن يشفيك ويقر أعيننا بنجاح العملية التي أجريت لك...فاستجاب لها وأخلد إلى الراحة...
وفي صباح اليوم الثاني من مجيء الوالد...ذهبت الأم كعادتها لإيقاظ الأب...فنادته ولم يرد عليها...فقالت: لعلّه متعب من السفر...فتركته ليرتاح...وقد ذهب الأبناء إلى المدرسة...وقُبَيل الظهر راحت لتوقظه مرة أخرى...فما ردَّ عليها...فخالط قلبها الخوف...ما الأمر؟ دَنَت منه تحركه وتناديه...تضع يدها على قلبه فما به حراك...{إنَّـا لله وإنَّـا إليهِ راجعون} نَظَرت إليه نظرة أخيرة وَقَبَّلت جبينه وهي تذرف الدمعات الحانية...وهي تردد {إنَّـا لله وإنَّـا إليهِ راجعون} ماذا تفعل؟.. مَن أُخبر ومن لا أُخبر؟ لقد ضاقت عليها الأرض بما رحبت من هول المصيبة، ولكنها ذات إيمان وخوف من الله...ليس في البيت عندها أحد...وأبناؤها في المدرسة...فاتصلت على زميلتها وأخبرتها الخبر...فهوّنت عليها مصابها...وشاركتها الحزن والأسى...وقالت لها: إني أرى أن تخبري جارك ليقوم بتجهيزه والصلاة عليه ودفنه قبل مجيء الأبناء...
تقول: فترددت هل أفعل أم أنتظر مجيء الأبناء؟ وأخيراً قرَّرت الاتصال على الجار...فجاء أبو أحمد...بيَّض الله وجهه يوم تسوّد الوجوه...وبارك فيه من جار...فاتصل على الإسعاف وأخذ أبانا إلى غير رجعة...ولما خرج من البيت شعرت برعشة في جسدي...أبونا إلى أين؟ متى سيعود؟ أين مكانك لنـزورك ونواسيك؟...أبونا يا من عاش معنا وعشنا معه الحياة الجميلة...أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه...عافاك الله وعفا عنك، وأكرم نُزلك، ووسَّع مُدخلك، وثبَّتَكَ عند السؤال، وجعل قبرك روضة من رياض الجنة...الله أكبر...إلى لقاءٍ عند ربي في جنات وَنَهَر...ثم بعد ذلك أجهشت بالبكاء وأسبلت الدمعات الحرَّى على الوجنتين...ولم تستيقظ من هذا البكاء وهول المصيبة إلا على قرعات الباب...وإذا بالقارع أولادها...يا أمَّه، ماذا حصل...؟ ولماذا هذا النحيب؟ {إنَّـا لله وإنَّـا إليهِ راجعون} أين أبونا؟ ذهبوا جميعاً يبحثون عنه في البيت فما وجدوه...دخلوه غرفة غرفة....لم يجدوه...رجعوا والكآبة خيَّمت عليهم...أبونا مات...؟ قالت بكلمات متعثرة: لا...وإنما ذهب إلى ربه...عندها وقع الابن من هول ما سمع...أما البنتان فجلستا تبكيان أباهما بدمعات ساخنات...أما الولد فكاد يُجنُّ جنونه، أبي...أين أنت؟ ما رأيتك منذ جئت إلا مرة واحدة...ذهبتَ ولم أشرُف بخدمتك وطاعتك...آهٍ ثم آه...ما أحرَّها وأوجعها عليَّ...كنت فرحاً مسروراً عندما عدت إلى ربي وكان يداعب خاطري أن ألحق بك فأواسيك...وأشرف بطاعتك وبِرِّك وصلتك...وأردّ إليك بعض جميل صنعك...كنت أحلم أن تعفو عني وأن تغفر لي زلتي وأن تمنحني منك ابتسامة الرضا، ولكن الآن ذهبت...ذهبت وخلَّفتني مجروح الفؤاد نديّ الدمع...حزين ألا أكون بَرَرْتك، وسعدت بعفوك ورضاك...فبِّرك جِسر إلى رضا الرحمن...
بعد هذه التمتمات، وهذا الهاجس الذي يدور بخلده...استيقظ وهو يبكي...ثم خرج يسأل عن أبيه وإذا بالجار يسلِّم عليه ويعزِّيه ويهوِّن عليه مصابه...فأقسم الولد إلا أن يرى قبر أبيه...ذهبا إلى المقبرة وسلَّما على الأموات: السلام عليكم دار قومٍ مؤمنين وإنَّـا إن شاء الله بكم لاحقون.
ولما دَنا من قبر أبيه هَوَى عليه يَلْثُمه ويبكي...أبتاه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...غفر الله لك ذنبك...وأكرم نُزلك...وجمعنا بك في عِلّيّـيـن...ثم جلس يرسل الدمع على قبره حتى نَديَّ موضعه...الجار مدهوش من صنيع الولد...فما عرف الولد إلا عاقاً لأبيه لا يطيع له أمراً...ولا يقبل منه رأيـاً...فما الأمر؟ قال: كفى ما حصل...وهيا بنا إلى البيت فلقد أسبل الليل علينا ستاره...وفي الأخير أقامه يشده من يديه وخرجا، والولد حزين، دمعه مدرار، والجار يحاول أن يُنسيه مصابه...ويعزيه ويذكِّره بالله...والصبر والاحتساب...فالتفت الولد إلى الجار...أيـا هذا...إني لا أبكي على موت أبي فكلنا يموت...ولكن ما أحرَّ قلبي وأوجع فؤادي وأدمع عيني...أني كنت ضالاً فهداني الله، ولما عُدت إلى ربي تمنيت أن أراه فلم يُقدَّر لي ذلك...حال بيني وبينه الموت فهذا ما أبكاني...
دخل على أمه فقبَّل رأسها ويديها وقال: يا أمَّاه...ذهب أبي ولم يرض عني...ولم يبق إلا أنتِ...فهل رضيتِ عني...ليرضى عني ربي...؟ إني لن أدخر جهداً أقدمه في رِضاكِ...قالت الأم: رَحِمَ الله أباكَ ورضي الله عنه...فلقد سُرّ أبوك لما علم بعودتك إلى الله ودعا لك بالخير...ففرح الابن فرحاً شديداً...وهدأ روعه...وسكن فؤاده...
أما هند فقد دخلت على أختها في غرفتها...وإذا بالغرفة لم تكن كما عهدتها...جلستا تتحدثان فذكرتا أباهما وأخذتا تبكيان...ولما هدأ بكاؤهما وكانت هند تسلي أختها بالصبر الجميل والأجر والاحتساب...فكان أن سألت هند: لِمَ تبكين ياهدى تلك المرة ذاك البكاء المر؟ ردت عليها: إنها لذة التوبة...وحلاوة العودة إلى الله...بكيت على ما مضى من المعصية...بكيت على ما مضى من الوقت بلا حسنات...بكيت فرحاً بتوبة الله عليّ...وشوقاً لطاعة ربي...هنا حَمِدَتْ هـند ربهـا...وشكرته على عودة أختها وأخيها...وقالت: اللهم اخلفنا في أبينا خيراً.
كانت حياتهم حياة طمأنينة وراحة بال...في البيت إخوة متحابون ليس نسباً فقط ولكن في الله...أمهم يجلونها ويحترمونها...أما الابن فكان أباهم بعد أبيهم...فقد باشر عمله في إحدى الدوائر الحكومية ويصرف على البيت ويقوم بشئونه...ويرعى أهله ويقدم لهم الغالي والنفيس...فكانت الحياة حياة سعادة وألفة ومحبة لا يكدر صفوها مكدر، كل هذا مصداقاً لقوله تعالى: ){من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ماكانوا يعملون} [النحل: ٩٧
زيادة حجم الخطزيادة حجم الخط مسحمسح إنقاص حجم الخطإنقاص حجم الخط
إرسال لصديق
طباعة
حفظ باسم

التعليقات

التعليقات ( 0 )

التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:24 مساءً الإثنين 17 محرم 1441 / 16 سبتمبر 2019.