• ×
  • تسجيل

تلك هي الفراسة

 1  0  3.3K
الحمد لله الذي خص المتقين بخصائص شتى، وميزهم على غيرهم من العباد بميزات عدة فضلاً منه ومنة،وصلى اللهم وسلم وبارك على إمام المتقين وسيد الغر المحجلين محمد بن عبدالله صادق الوعد الأمين ثم أما بعد:

فإن الفراسة نعمة من الله جلا وعلا يهبها لمن يشاء من عباده المؤمنين.

والفراسة لغة: بكسر الفاء معناها النظر والتثبت والتأمل، وقد قال العالم ابن منظور: "والفراسة بكسر الفاء في النظر والتثبت والتأمل للشيء والبصر به، يقال: إنه لفارس بهذا الأمر إذا كان عالماً به..وتفرس فيه الشيء أي توسمه".

وأنواع الفراسة ثلاثة وهي:

1- فراسة إيمانية 2-فراسة رياضية 3- فراسة خِلقية.

وقد قال أبي العز- رحمه الله- في العقيدة الطحاوية:" ومما ينبغي التنبيه عليه هاهنا ( وهو يتكلم عن الكرامة) أن الفراسة ثلاثة أنواع: فراسة إيمانية: وسببها نور يقذفه الله في قلب عبده وحقيقتها أنها خاطر يهجم على القلب، وهذه الفراسة على حسب قوة الإيمان فمن كان أقوى إيماناً فهو أحَدُ فراسة.

وفراسة رياضية: وهي التي تحصل بالجوع والسهر والتخلي فإن النفس إذا تجردت عن العوائق صار لها من الفراسة والكشف بحسب تجردها.

وفراسة خِلقية: وهي التي صنف فيها الأطباء وغيرهم واستدلوا بالخَلق على الخُلق لما بينهما من الارتباط الذي اقتضته حكمة الله".

أما الفراسة بالاصطلاح : فيختلف باختلاف نوعها وسببها ومنشئها .

فالفراسة الإيمانية هي نور يقذفه الله في قلب عبده المؤمن التقي يستطيع بسببها التمييز بين الحق والباطل، والكاذب والصادق.

وفي الحديث ( اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ثم قرأ:{ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ }) قال الإمام القرطبي رحمه الله "روى الترمذي الحكيم في نوادر الأصول من حديث أبي سعيد الخدري _ رضي الله عنه_ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: للمتفرسين.

وهو قول مجاهد، وقال مقاتل ابن زيد: للمتوسمين أي للمتفكرين، وقال الضحاك: للناظرين،

قال الشاعر:

أو كلما وردت عكاظ قبيلة*** بعثوا إلي عريفهم يتوسم

وقال قتادة: للمعتبرين، قال زهير:

وفيهن ملهى للصديق ومنظر*** أنيق لعين الناظر المتوسم

وقال أبو عبيدة: للمتبصرين، والمعنى متقارب.

قال العلماء: التوسم: تفعل من الوسم، وهي العلامة التي يستدل بها على مطلوب غيرها، ومن قول عبدالله بن رواحة للنبي صلى الله عليه وسلم:

إني توسمت فيك الخير أعرفه*** والله يعلم أني ثابتُ البصر

وقال آخر:

توسمته لما رأيت مهابة*** عليه وقلت المرءُ من آل هاشم"

وللفراسة الإيمانية وسائل عدة أهمها مايتعلق بـ: العين ويراد بها النظر، والأذن ويراد بها سماع الكلام، والقلب كما قال تعالى مخاطباً رسوله محمد صلى الله عليه وسلم في حق المنافقين{ وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ } قال ابن القيم في مدارج السالكين معلقاً على هذه الآية:" فالأول فراسة النظر والعين، والثاني فراسة الأذن والسمع" .

وللفراسة أسباب قال ابن القيم- رحمه الله-" وللفراسة سببان أحدهما: جودة الذهن للمتفرس، وحِدة قلبه، وحسن فطنته، والثاني: ظهور العلامات والأدلة على المتفرس فيه، فإذا اجتمع السببان لم تكد تخطئ للعبد فراسة، وإذ انتفيا لم تكد تصح له فراسة، وإذا قوي أحدهما وضعف الآخر كانت فراسته بين وبين"وقال في موضع آخر:" وهذه الفراسة على حسب قوة الإيمان فمن كان أقوى إيماناً فهو أحدً فراسة".

قال الهروي: لايصدق منها إلا فراسة تُجنى من غرس الإيمان فشبه الإيمان بالغرس لأنه يزداد وينمو على السقي.

وبعد ذكر الأنواع والأسباب والوسائل يحسن ذكر بعض النماذج من فراسة الصالحين جعلنا اللهم بهم مقتدين وعلى نهجهم سائرين وعلى الجد والإخلاص عازمين، فلقد تواترت الأقوال بأن أفرس الناس ثلاثة:

1- امراءة فرعون في موسى 2- عزيز مصر في موسى 3- أبو بكر في اختياره لعمر بن الخطاب في الخلافة، فعن ابن مسعود- رضي الله عنه- أنه قال: أفرس الناس ثلاثة: امراءة فرعون في موسى حين قالت{ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ } وصاحب يوسف إذ قال لامرأته { أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً } وأبو بكر الصديق في عمر حيث جعله خليفة بعده.

وليس المراد من قول ابن مسعود- رضي الله عنه- أفرس الناس ثلاثة، الحصر ولكن مراده بيان حدة فراستهم على غيرهم،فمن النماذج:

1- أبو بكر الصديق- رضي الله عنه- أفرس هذه الأمة، وفضائله كثيرة ولو لم يرد في فضله إلا قوله صلى الله عليه وسلم:" لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان الناس لرجح إيمان أبي بكر"، قال ابن القيم-رحمه الله- في المدارج: وكان الصديق أعظم هذه الأمة فراسة.

2- عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- إذ إن فراسته لاتكاد تخطئ ويكفيه فخراً وكرامة موافقته لربه في أمور كثيرة، قال صلى الله عليه وسلم:" إن الله جعل الحق على لسان عمر".

3- حذيفة ابن اليمان رضي الله عنه- ومن فراسته حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم عيناً على المشركين فجلس بينهم فقال أبو سفيان: لينظر كل منكم إلى جليسه، فبادر حذيفة وقال لجليسه: من أنت؟ فقال فلان ابن فلان.

والحديث عن الفراسة وقصص المتفرسين من العلماء والقضاة كثيرة جدا، وبالله التوفيق وصلى الله على نبينامحمد وآله وصحبه وسلم.





الشيخ عبدالعزيز بن أحمد السلامة
قاضي محكمة الأحمر
كاتب بصحيفة الأفلاج الإلكترونية
زيادة حجم الخطزيادة حجم الخط مسحمسح إنقاص حجم الخطإنقاص حجم الخط
إرسال لصديق
طباعة
حفظ باسم

التعليقات

التعليقات ( 1 )

  • #1
    بواسطة : الداعي
    03-22-1432 12:07 صباحًا
    جزى الله الكاتب كل خير وجعل مايقدمه في موازين حسناته
التعليقات ( 1 )

  • #1
    بواسطة : الداعي
    03-22-1432 12:07 صباحًا
    جزى الله الكاتب كل خير وجعل مايقدمه في موازين حسناته
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 01:41 صباحًا الأربعاء 14 ربيع الثاني 1441 / 11 ديسمبر 2019.