• ×
  • تسجيل

سيرة عطرة

 3  0  3.0K
الحمد الله رب العالمين إله الأولين والآخرين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين أما بعد: فإن الحديث في السيرة حديث ذو شجون سواء كانت تلك السيرة في أنبياء الله تعالى، أو في الصحابة رضوان الله عليهم، أو من بعدهم من الصالحين، حينما تعيش مع سير الصالحين فإن قلبك يحيا، وعملك يزداد، فبخصالهم تقتدي، وبأقوالهم تنتفع.

وقد اخترت من تلك السير سيرة رجل كان قاطعاً للطريق فأصبح إمامًا يُقتدى وعالِما يُتَبع بفضل كلام الله جلا وعلا، وكان السبب في اختيار تلك السيرة ما نقل عنه من حكم وأقوال في ذكرها عظة وعبرة من رجل سيرته عطرة.

قال عنه الإمام الذهبي -رحمه الله- في سير أعلام النبلاء: الإِمَامُ، القُدْوَةُ، الثَّبْتُ، شَيْخُ الإِسْلاَمِ، أَبُو عَلِيٍّ التَّمِيْمِيُّ، اليَرْبُوْعِيُّ، الخُرَاسَانِيُّ، المُجَاوِرُ بِحَرَمِ اللهِ ، وُلِدَ بِسَمَرْقَنْدَ، وَنَشَأَ بِأَبِيْوَرْدَ، وَارْتَحَلَ فِي طَلَبِ العِلْمِ.

قَالَ أَبُو عَمَّارٍ الحُسَيْنُ بنُ حُرَيْثٍ: عَنِ الفَضْلِ بنِ مُوْسَى، قَالَ كَانَ الفُضَيْلُ بنُ عِيَاضٍ شَاطِراً يَقْطَعُ الطَّرِيْقَ بَيْنَ أَبِيْوَرْدَ وَسَرْخَسَ، وَكَانَ سَبَبُ تَوْبَتِهِ أَنَّهُ عَشِقَ جَارِيَةً، فَبَيْنَما هُوَ يَرْتَقِي الجُدْرَانَ إِلَيْهَا، إِذْ سَمِعَ تَالِياً يَتْلُو: { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ }. فَلَمَّا سَمِعَهَا، قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، قَدْ آنَ.

فَرَجَعَ، فَآوَاهُ اللَّيْلُ إِلَى خَرِبَةٍ، فَإِذَا فِيْهَا سَابِلَةٌ، فَقَالَ بَعْضُهُم: نَرحَلُ، وَقَالَ بَعْضُهُم: حَتَّى نُصْبِحَ، فَإِنَّ فُضَيْلاً عَلَى الطَّرِيْقِ يَقْطَعُ عَلَيْنَا، قَالَ: فَفَكَّرْتُ، وَقُلْتُ: أَنَا أَسْعَى بِاللَّيْلِ فِي المَعَاصِي، وَقَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِيْنَ هَا هُنَا يَخَافُونِي، وَمَا أَرَى اللهَ سَاقَنِي إِلَيْهِم إِلاَّ لأَرْتَدِعَ، اللَّهُمَّ إِنِّيْ قَدْ تُبْتُ إِلَيْكَ، وَجَعَلْتُ تَوْبَتِي مُجَاوَرَةَ البَيْتِ الحَرَامِ.

قال عنه ابن المبارك: مَا بَقِيَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ عِنْدِي أَفْضَلُ مِنَ الفُضَيْلِ بنِ عِيَاضٍ، وقَالَ إِبْرَاهِيْمُ بنُ الأَشْعَثِ عنه : مَا رَأَيْتُ أَحَداً كَانَ اللهُ فِي صَدْرِهِ أَعْظَمَ مِنَ الفُضَيْلِ، كَانَ إِذَا ذَكَرَ اللهَ، أَوْ ذُكِرَ عِنْدَهُ، أَوْ سَمِعَ القُرْآنَ، ظَهَرَ بِهِ مِنَ الخَوْفِ وَالحُزْنِ، وَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، وَبَكَى، حَتَّى يَرْحَمَهُ مَنْ يَحضُرُهُ، وَكَانَ دَائِمَ الحُزْنِ، شَدِيْدَ الفِكرَةِ، مَا رَأَيْتُ رَجُلاً يُرِيْدُ اللهَ بِعِلْمِهِ وَعَمَلِهِ، وَأَخْذِهِ وَعَطَائِهِ، وَمَنْعِهِ وَبَذْلِهِ، وَبُغْضِهِ وَحُبِّهِ، وَخِصَالِهِ كُلِّهَا غَيْرَهُ، كُنَّا إِذَا خَرَجْنَا مَعَهُ فِي جَنَازَةٍ لاَ يَزَالُ يَعِظُ وَيُذَكِّرُ وَيَبْكِي، كَأَنَّهُ مُوَدِّعٌ أَصْحَابَه، ذَاهِبٌ إلى الآخرة، حَتَّى يَبْلُغَ المَقَابِرَ، فَيَجْلِسُ مَكَانَهُ بَيْنَ المَوْتَى مِنَ الحُزْنِ وَالبُكَاءِ، حَتَّى يَقُوْمَ وَكَأَنَّهُ رَجَعَ مِنَ الآخِرَةِ، يُخْبِرُ عَنْهَا.

وقد ورد عنه حكم وأقوال قد جمعتها فأحببت إيرادها ومن ذلك:

§ احفظ لسانك، وأقبل على شأنك، واعرف زمانك، وأخف مكانك.

§ من خاف الله لم يضره أحد ومن خاف غير الله لم ينفعه أحد.

§ رهبة العبد من الله على قدر علمه بالله، وزهادته في الدنيا على قدر رغبته في الأخرة، من عمل بما علم استغنى عما لايعلم، ومن عمل بما علم وفقه الله لما لايعلم، ومن ساء خلقه شان دينه وحسبه ومروءته.

§ أكذب الناس العائد في ذنبه، وأجهل الناس المدل بحسناته، وأعلم الناس بالله أخوفهم منه، لن يكمل عبد حتى يؤثر دينه على شهوته، ولن يهلك عبد حتى يؤثر شهوته على دينه.

§ ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله عنهما.

§ إنما أمس مثل، واليوم عمل، وغداً أمل.

§ والله لا يحل لك أن تؤذي كلباً ولا خنزيراً بغير حق، فكيف تؤذي مسلماً.

§ لا يكون العبد من المتقين حتى يأمنه عدوه.

§ بقدر ما يصغر الذنب عندك يعظم عند الله، وبقدر ما يعظم عندك يصغر عند الله.

§ إذا لم تقدر على قيام الليل، وصيام النهار فأعلم أنك محروم كبلتك خطيئتك.

§ كيف ترى حال من كثرت ذنوبه، وضعف علمه، وفني عمره، ولم يتزود لمعاده!

§ لو قلت إنك تخاف الموت ما قبلت منك، لو خفت الموت ما نفعك طعام ولا شراب ولا شي.

§ لا تجعل الرجال أوصياءك، كيف تلومهم أن يضيعوا وصيتك، وأنت قد ضيعتها في حياتك.

§ إذا أحب الله عبداً أكثر غمه، وإذا أبغض عبداً وسع عليه دنياه.

§ من أحب أن يُذكر لم يُذكر، ومن كره أن يُذكر ذُكر.

§ الخوف أفضل من الرجاء مادام الرجل صحيحاً، فإذا نزل به الموت، فالرجاء أفضل.

§ إنما هما عالِمان : فعالم الدنيا علمه منشور، وعالم الآخرة علمه مستور، احذروا عالم الدنيا، لا يضركم بسكره، العلماء كثير والحكماء قليل.

§ لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يعد البلاء نعمة، والرخاء مصيبة، وحتى لا يحب أن يحمد على عبادة الله.

§ حرام على قلوبكم أن تصيب حلاوة الإيمان حتى تزهدوا في الدنيا.

§ يغفر للجاهل سبعون ذنباً مالا يغفر للعالم ذنب واحد.

§ يا مسكين أنت مسيء وترى أنك محسن، وأنت جاهل وترى أنك عالم، وتبخل وترى أنك كريم، وأحمق وترى أنك عاقل، أجلك قصير وأملك طويل.

§ كفى بالله محباً، وبالقرآن مؤنساً، وبالموت واعظاً، وبخشية الله علماً، وبالاغترار جهلاً.

وبعد فهذه مقتطفات من سيرة إمام كان شأنه الزهد في هذه الدنيا والتعلق بالدار الآخرة، حتى خرجت منه تلك الدرر من حكم وأقوال فيها العظة والعبرة لمن تأملها ووقف عندها واستفاد منها في سيره إلى الله جل وعلا.

جمعنا الله وإياكم ووالدينا بأمثال هؤلاء في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.





الشيخ عبدالعزيز بن أحمد السلامة
قاضي محكمة الأحمر
كاتب في صحيفة الأفلاج الإلكترونية

زيادة حجم الخطزيادة حجم الخط مسحمسح إنقاص حجم الخطإنقاص حجم الخط
إرسال لصديق
طباعة
حفظ باسم

التعليقات

التعليقات ( 3 )

  • #1
    بواسطة : شاهد
    04-30-1432 01:17 مساءً
    أستفدت كثيراً من هذا المقال


    سيرة عططره وفقك الله ياشيخنا الفاضل
  • #2
    بواسطة : حشان الدوسري
    04-30-1432 01:19 مساءً
    هل من أحد أستفيد منه ويفسر هذه
    § لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يعد البلاء نعمة، والرخاء مصيبة، وحتى لا يحب أن يحمد على عبادة الله.
  • #3
    بواسطة : حنين
    04-30-1432 01:20 مساءً
    ماشاء الله تبارك على المقال


    هل بالإمكان التحدث عن حال الشباب خاصه في الافلاج

    ليه ماتكون المقالات ذو توسع من الناحية الأدبية والثقافيه
التعليقات ( 3 )

  • #1
    بواسطة : شاهد
    04-30-1432 01:17 مساءً
    أستفدت كثيراً من هذا المقال


    سيرة عططره وفقك الله ياشيخنا الفاضل
  • #2
    بواسطة : حشان الدوسري
    04-30-1432 01:19 مساءً
    هل من أحد أستفيد منه ويفسر هذه
    § لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يعد البلاء نعمة، والرخاء مصيبة، وحتى لا يحب أن يحمد على عبادة الله.
  • #3
    بواسطة : حنين
    04-30-1432 01:20 مساءً
    ماشاء الله تبارك على المقال


    هل بالإمكان التحدث عن حال الشباب خاصه في الافلاج

    ليه ماتكون المقالات ذو توسع من الناحية الأدبية والثقافيه
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:28 صباحًا الإثنين 15 صفر 1441 / 14 أكتوبر 2019.