• ×
  • تسجيل

الحلقة الثانية من حلقات: ( المقاصد الشرعية في الأوامر الملكية)

 5  0  2.9K
الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد:
فكانت الحلقة الأولى من هذه السلسلة عبارة عن مقدمة وتمهيد، وفي هذه الحلقة أدلف إلى الموضوع ببيان معنى المقاصد الشرعية، وربطها بالقرارات الملكية.
المقصد في اللغة: يطلق على معان كثيرة أقربها للمعنى الاصطلاحي هو الاعتماد، والأمُ، وإتيان الشيء، والتوجه.
والشرعية: أعني بها الشرع وهو كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله- : ( اسم الشريعة، والشرع، والشرعة فإنه ينتظم كل ما شرعه الله من العقائد والأعمال) وقال: ( الشريعة هي طاعة الله ورسوله وأولي الأمر منا) .
ومقاصد الشريعة باعتبارها علما عرّفت بتعريفات كثيرة لعل أقربها إلى فهم القاريء الكريم: (جلب مصالح الخلق ودرء المفاسد عنهم) ، أما راجح تعريفها فهي: ( المعاني والحكم ونحوها، التي راعاها الشارع في التشريع عموما وخصوصا، من أجل تحقيق مصالح العباد) .
وهذه الحلقات ليست دروسا في مقاصد الشريعة فدراستها خاصة للمتخصصين من أهل العلم والمتفقهين، فهي لهم كالبوصلة التي تحدد للمسافر صحة اتجاهه من عدمه، وتضبط الطريق لمستنبط الأحكام الشرعية، وكما يقول ابن عاشور -رحمه الله-في مقاصده وليس كل مكلف بحاجة إلى معرفة مقاصد الشريعة؛ لأن معرفة مقاصد الشريعة نوع دقيق من أنواع العلم... وحق العالم فهم المقاصد، والعلماء في ذلك متفاوتون على قدر القرائح والفهوم).
لكن سأبرز المصالح التي تضمنتها هذه القرارات وكيف أنها أتت محققة للمقاصد الشرعية.
ومقاصد الشريعة باعتبار المصالح التي جاءت بحفظها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
مقاصد ضرورية، وحاجية، وتحسينية.
فالضروريات هي المقاصد التي تتضمن حفظ مقصود من المقاصد الخمسة، وهي: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسب، والمال.
وهذه المقاصد لابد منها في قيام مصالح الدين والدنيا؛ بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج، وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم، والرجوع بالخسران المبين.
وبعد هذه المقدمة لعل القاريء الكريم يتصور ما نريد من هذه السلسلة.
فأقول مستعينا بالله:
إن أول هذه المقاصد حفظ الدين الذي يعد ضرورة شرعية وهو من أوجب الواجبات على الحاكم المسلم، يقول الماوردي رحمه الله- في الأحكام السلطانية: ( والذي يلزمه من الأمور العامة عشرة أشياء: أحدها: حفظ الدين على أصوله المستقرة وما أجمع عليه سلف الأمة، فإن نجم مبتدع أو زاغ ذو شبهة عنه أوضح له الحجة وبين له الصواب وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود، ليكون الدين محروسا من خلل والأمة ممنوعة من زلل).
وقد تضمنت هذه الأوامر المباركة حفظ هذا المقصد العظيم حيث أكدت على الآتي:
1- احترام العلماء.2- الاهتمام بتبصير الناس في دينهم تمثل في فتح فروع للرئاسة العامة للإفتاء في كافة مناطق المملكة، وكذلك دراسة إنشاء مجمع فقهي سعودي، 3- العناية بترميم المساجد. 4- دعم حلقات تحفيظ القرآن الكريم. 5- دعم مكاتب الدعوة والإرشاد. 6- دعم هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ولا شك أن هذه من أعظم الوسائل لحفظ الدين، فحفظ الدين من أهم مقاصد الشريعة الإسلامية، ولا يمكن أن يكون هذا المقصد العظيم معرضا للضياع والتحريف والتبديل؛ لأن في ذلك ضياعا للمقاصد الأخرى، وخرابا للدنيا بأسرها، والناس بغير دين ليسوا على شيء كما قال -تعالى-: ( قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم ) [ المائدة: 68].
ولعلي في هذه الحلقة أقف عند العلماء حيث أكدت هذه الأوامر الكريمة على عدم المساس بهم وهذا لاشك يحقق هذا المقصد إذ حفظ مكانة العلماء هو حفظ للدين متمثلا في حملته الذين كانت لهم هذه المنزلة التي أنزلهم الله إياها قال- تعالى-: ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لايعلمون) [الزمر:9] وقال- تعالى-( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) [المجادلة: 11] ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يدينون الله باحترام العلماء الهداة، قال الحسن رحمه الله-: ( كانوا يقولون: موت العالم ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء ما اختلف الليل والنهار)، وقال سفيان الثوري- رحمه الله-: ( لو أن فقيها على رأس جبل؛ لكان هو الجماعة)، وقد كان سلف هذه الأمة يحترمون علماءهم احتراما كبيرا ويتادبون معهم، فلقد أخذ عبد الله بن عباس-رضي الله عنهما- مع جلالته وعلو مرتبته بركاب زيد بن ثابت الأنصاري -رضي الله عنه- وقال: ( هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا وكبرائنا)، وقد كانوا يهابونهم فعن ابن عباس- رضي الله عنهما-قال: (مكثت سنتين أريد أن أسأل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عن حديث ما منعني منه إلإ هيبته) وما أثر في القرآن والسنة وأقوال سلف الأمة في بيان مكانة العلماء أكثر من أن يحصر.
إن النيل من العلماء وتنقصهم والتقليل من مكانتهم التي منحتها لهم الشريعة تفقدهم الثقة عند الأمة؛ وإذا فقدت الثقة بهم فمن يقود الأمة؟ ومن يرجع إليه في الفتاوى والأحكام؟ ومن يقف أمام فتن الزمان بعلم وحلم وتثبيت؟ لا شك أن النيل منهم دس من أعدائنا وأنه انطلى على بعض ابناء الأمة من الغيورين المتحمسين، ومن المتساهلين المستغربين، الذين يدركون أنه لن تتحقق مخططاتهم ما دام هذا السور الحصين أمامهم فأرادوا أولا اقتحامه وهدمه، بعد ذلك يكون الباب مشرعا أمامهم فينشروا الفجور والفساد في المجتمع المسلم بخلخلة الدين وتمييعه وزعزعته في النفوس حتى يصبح بلا حارس يحميه من اللصوص وقطاع الطريق.
فبلينا في الآونة الأخيرة برماة غاشون، عظمت جراءتهم وتلون مكرهم بكلمات تخرج من أفواههم وتجري بها أقلامهم؛ إذ أخذوا يهدمون هذا الصرح المشيد، ويهونون من شأنه عبر وسائل الإعلام المختلفة، فأدرك الوالي وفقه الله- مدى الفساد الكبير الذي يجره هذا التطاول على علماء الشريعة فأمر بسده ووعد بالتعزير على المتطاول عليه.
إذا تبين لك اعتبار العلماء في الشريعة فلا يعني ذلك تقديس ذواتهم، وعصمتهم بل يجري عليهم الخطأ كغيرهم لكن الأصل فيهم الخيرية والصلاح وإحسان الظن.
وأختم بقول الحافظ ابن عساكر الدمشقي-رحمه الله- حيث يقول:
( واعلم يا أخي -وفقنا الله وإياك لمرضاته، وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته- أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك منتقصيهم معلومة، وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب بلاه الله قبل موته بموت القلب، "فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" [النور: 63] .لأن الوقيعة فيهم بما هم منه براء أمره عظيم، والتناول لأعراضهم بالزور والافتراء مرتع وخيم، والاختلاق على من اختاره الله منهم لنعش العلم خلق ذميم).
والموضوع يطول حيث من الضروري أن نبين من هو العالم الذي يصح تسميته بعالم، وتجلية صفات المتعالمين المتسلقين على موائد العلماء في اللقاء القادم -بإذن الله تعالى- والله الموفق والمعين.


الدكتور نايف بن عمار الوقيان
كاتب في صحيفة الأفلاج الإلكترونية
زيادة حجم الخطزيادة حجم الخط مسحمسح إنقاص حجم الخطإنقاص حجم الخط
إرسال لصديق
طباعة
حفظ باسم

التعليقات

التعليقات ( 5 )

  • #1
    بواسطة : فهد الدوسري
    04-29-1432 12:40 صباحًا
    الله يعطيك العافية
  • #2
    بواسطة : شاهد
    04-30-1432 01:12 مساءً
    جلب مصالح الخلق ودرء المفاسد عنهم


    جزاك الله خير ياشيخ
  • #3
    بواسطة : طالب علم
    04-30-1432 01:13 مساءً
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    شيخي الفاضل أسئل الله ان يبارك فيك وجزاك الله خيراً على هذال المقال
  • #4
    بواسطة : سهل
    04-30-1432 01:16 مساءً
    بارك الله فيك

    الله ينفع بعلمك ياشيخ نايف
  • #5
    بواسطة : أبو مشعل
    05-01-1432 05:46 صباحًا
    بارك الله فيك وفي علمك دكتور نايف
التعليقات ( 5 )

  • #1
    بواسطة : فهد الدوسري
    04-29-1432 12:40 صباحًا
    الله يعطيك العافية
  • #2
    بواسطة : شاهد
    04-30-1432 01:12 مساءً
    جلب مصالح الخلق ودرء المفاسد عنهم


    جزاك الله خير ياشيخ
  • #3
    بواسطة : طالب علم
    04-30-1432 01:13 مساءً
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    شيخي الفاضل أسئل الله ان يبارك فيك وجزاك الله خيراً على هذال المقال
  • #4
    بواسطة : سهل
    04-30-1432 01:16 مساءً
    بارك الله فيك

    الله ينفع بعلمك ياشيخ نايف
  • #5
    بواسطة : أبو مشعل
    05-01-1432 05:46 صباحًا
    بارك الله فيك وفي علمك دكتور نايف
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 01:42 مساءً الأحد 23 محرم 1441 / 22 سبتمبر 2019.