• ×
  • تسجيل

الحلقة رقم3 من حلقات "المقاصد الشرعية في الأوامر الملكية"

 0  0  2.8K
الحمدلله وحده والصلاة والسلام على من لانبي بعده وبعد:
ففي الحلقة الماضية كان الحديث عن المقصد الأول وهو حفظ الدين وكان من وسائل حفظه التي أكدها الوالي وفقه الله- احترام العلماء، وهذه الحلقة أيضا امتدادا لهذا المقصد الشرعي وهو حفظ الدين حيث أمر وفقه الله- بفتح فروع للرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء في جميع مناطق المملكة، وكذا دراسة إنشاء مجمع فقهي سعودي.
و هذا الأمر يؤكد مقصد حفظ الدين من خلال الاهتمام بتبصير الناس عما يشكل عليهم في عباداتهم ومعاملاتهم؛ التي بها يصونون دينهم من الزلل حتى يعبدوا الله على بصيره.
إن الفتوى من الفروض الواجبة على الأمة إذا قام بها من هو أهل سقط الإثم عن البقية، والمفتي قائم مقام النبي في الأمة، فهو الذي يتولى الإخبار عن رب العالمين، وهو الذي يوقع الشريعة على أفعال المكلفين، وتكتسب الفتوى أهمية بالغة لشرفها العظيم، ونفعها العميم ، فهي المنصب الذي تولاه بنفسه رب الأرباب، حيث أفتى عباده، فقال في كتابه الكريم :
{ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ } [النساء: 127]،وقال أيضا : { يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ } [النساء: 176] فقد نسب الإفتاء إلى ذاته وكفى هذا المنصب شرفا وجلالة أن يتولاه الله تعالى بنفسه.
ونحن في هذا الزمان أشد حاجة إلى المفتين الذين يبصرون الناس في أعظم و أثمن ما في الوجود وهو دين الله وشرعه، وتشتد الحاجة مع كثرة النوازل والمستجدات في حياتنا المعاصرة؛ حيث برز كثير من القضايا الشائكة والمعقدة التي تحتاج إلى بيان الحكم الشرعي فيها، كما أن الحاجة ماسة لتأهيل العلماء التأهيل الشرعي القوي؛ لنحفظ ديننا من جهل الجاهلين وتحريف المبطلين.
ومن أجل هذه الأهمية والحاجة للمفتين، فواجب الدولة المسلمة تعليم الشريعة بفتح المعاهد والكليات الشرعية، وحث العلماء على التدريس في المساجد؛ لتخريج طلاب العلم الشرعي المؤصل، ونحن في هذه البلاد -ولله الحمد- نرى العناية بالكليات الشرعية ودروس المساجد، ونطلب المزيد، إذ الحاجة إلى علماء الشريعة قائمة ما قامت الحياة، ولا ينطلي علينا عبارة حاجة سوق العمل، فإن صحت هذه العبارة في الكليات التجريبية فلا يصح أن نقولها في شأن الكليات العلمية الشرعية وأسمي الشرعية كليات علمية إذ غير علوم الشريعة تجريبية والشريعة علمية لا كما هو مشهور-، فكليات الشريعة يحتاجها الناس في كل زمان ومكان، ولا يمكن أن يأتي يوم ونقول سوق العمل ليس بحاجة؛ فسوقها هي عبادات الناس ومعاملاتهم ومناكحاتهم، و إذا انعدمت هذه المجالات فنعم سوق العمل ليس بحاجة، وهل تعلم متى تنعدم هذه الأمور؟ إنها تنعدم بموت الناس وفناء الدنيا.
والذي يهمك أخي الكريم أن أبين لك ممن تأخذ بفتواه لأنك تأخذ دينك قال محمد بن سيرين -رحمه الله تعالى- : ( إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم ) فأنت حين تريد الزراعة تسأل المزارع الخبير، وحين تمرض تذهب لأمهر الأطباء، وحين تتعطل سيارتك تسأل عن أمهر الفنيين ...ألخ فهل دينك أرخص من هذا ؟!!.
إننا نلحظ -وللأسف الشديد- كثرة التساهل في التحري والتثبت عند السؤل عن شيء من أحكام الشرع، بينما نرى التشدد والتثبت عند السؤال عن شيء من أمور الدنيا، وفي الجانب الآخر نرى التساهل عند بعض طلبة العلم، حيث تساهل وأقبل الكثير منهم على الإفتاء في دين الله -سبحانه وتعالى-، ويظنون أن الأمر هين، وهو عند الله عظيم، حتى إنك إذا جلست في مجلس وطرحت مسألة شرعية، ترى كثيراً من الجالسين يدلون برأيهم من غير أن يُطلب منهم، ويعضهم قد لا يحسن الوضوء.
وصار دين الله وشرعه -مع الأسف الشديد- حمى مستباحاً لأشباه المتعلمين، وظن كثير من طلبة العلم الشرعي أنهم بمجرد حصولهم على الشهادة الجامعية يحق لهم الإفتاء في دين الله، وما دروا أن شهادة (البكالوريوس) في الشريعة في زماننا هذا، تعني محو أمية في العلوم الشرعية فقط، هذا إذا وزناها بالميزان الصحيح ولا يشذ عن هذا إلا القليل جداً.
ومما ساعد على هذا التسارع انفجار الإعلام بكل أشكاله، وأصبحت هذه القنوات الفضائية وغيرها تتسابق في عرض الإثارة ولفت الانتباه على أكتاف أولئك المتساهلين الذين غرهم البريق الإعلامي الرخيص، فبعضهم جاهل ولايعلم أنه جاهل، وبعضهم عالم لكنه منزوع من لباس التقوى، فهدف هذا المسكين الشهرة والظهور، وقد قيل: (العلم ثلاثة أشبار، من دخل في الشبر الأول تكبر، ومن دخل في الشبر الثاني تواضع، ومن دخل في الشبر الثالث علم أنه ما يعلم).
فاحذر من أصحاب الشبر الأول، يأتي أحدهم ويقول في مسألة بقول ضعيف أو شاذ يلتفت له العالم كله، وكما في المثل العامي: ( إذا أردت أن تذكر فاعمل المنكر).
ومما يؤسف له أن مؤهلات الفتوى و المشاركة في مناشط الدعوة هي الشهرة والبروز الإعلامي فتجد الناس يتسابقون إليهم.
أخي الكريم: هل مر عليك المؤهلات التي يجب أن تتوفر في المفتي حتى تحترز لدينك إن من الشروط التي اشترطها العلماء في المفتي:
إحاطته بمدارك الأحكام من كتاب وسنة وإجماع واستصحاب وقياس، ومعرفة الراجح منها عند ظهور التعارض، وتقديم ما يجب تقديمه منها كتقديم النص على القياس، وكذا علمه بالناسخ والمنسوخ، ومواضع الإجماع والاختلاف، ويكفيه أن يعلم أن ما يستدل به ليس منسوخا، وأن المسألة لم ينعقد فيها إجماع من قبل.
ولابد من معرفته بالعام والخاص، والمطلق والمقيد، والنص والظاهر والمؤول، والمجمل والمبين، والمنطوق والمفهوم، والمحكم والمتشابه. كذلك معرفته بما يصلح للاحتجاج به من الأحاديث، من أنواع الصحيح والحسن، والتمييز بين ذلك وبين الضعيف الذي لا يحتج به، وذلك بمعرفته بأسباب الضعف المعروفة في علم الحديث والأصول.
وأن يكون على علم بالنحو واللغة العربية يمكنه من فهم الكلام. وكذا العلم بمقاصد الشريعة وفقه الموازنات.
هذه الشروط لو علمها المتسابقون على برامج الإفتاء لتوقفوا ولرعووا عن رخيص الفتاوى التي لا تساوي فلسا
يمدون للإفتاء باعا قصيرة وأكثرهم عند الفتاوي يكذلك
فهل علم القراء الذين أعطاهم الله صوتا حسنا واشتهروا بالقراءة ولم يعرف لهم شيوخ وفقه أنهم إذا لم تتوفر فيهم هذه الشروط أنهم غير مؤهلين!! سلم التسليمة الثانية من الوتر في صلاة التراويح والتفت؛ فإذا المسجد وساحاته الخارجية قد اكتظت بالمصلين، و إذا الناس يلحقون به للسلام وازدحموا عليه، فظن المسكين أنه شيخ الإسلام ومفتي الأنام ووحيد الزمان، فأخذ يهرف بما لايعرف ويخوض في مسائل لو عرضت على أبي بكر وعمر لجمعا لها أهل بدر.
قال ابن القيم رحمه الله- في كتابه النفيس إعلام الموقعين عن رب العالمين: ( ولما كان التبليغ عن الله سبحانه- يعتمد العلم بما يبلغ والصدق فيه لم تصلح مرتبة التبليغ بالرواية والفتيا إلا لمن اتصف بالعلم والصدق، فيكون عالما بما بلغ، صادقا فيه، ويكون مع ذلك حسن الطريقة، مرضي السيرة، عدلا في أقواله وأفعاله، متشابه السر والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله، وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله، ولا يجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السنيات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسموات؟ فحقيق بمن أقيم في هذا المنصب أن يعد له عدته، وأن يتأهب له أهبته، وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم فيه، ولا يكون في صدره حرج من قول الحق والصدع به؛ فإن الله ناصره وهاديه ).
إن الأمر بفتح فروع للفتوى يسهم في حفظ الدين وأحكامه من فوضى الإفتاء، وهذا لاشك - حماية لجناب الشريعة من تسلق المتطفلين على موائد العلماء، وواجب العلماء وأهل الاجتهاد أن يقطعوا الطريق على أولئك الأصاغر، ولله در القاضي عبد الوهاب المالكي حيث يقول:
متى تصل العطاش إلى ارتواء ... إذا استقت البحار من الركايا؟
ومن يثني الأصاغر عن مراد ... وقد جلس الأكابر في الزوايا؟
وإن ترفع الوضعاء يوماً ... على الرفعاء من إحدى البلايا
إذا استوت الأسافل والأعالي ... فقد طابت منادمة المنايا
ومن هذه الأوامر دراسة إنشاء مجمع فقهي سعودي، وهذا المجمع لاشك أنه ضرورة إذ نحن اليوم أمام نوازل أفرزها واقع التطور المعاصر فنحن اليوم في عصر العولمة أشد ما نكون حاجة إلى مثل هذه المجامع الفقهية التي بها يكون الاجتهاد الجماعي، والعمل المؤسسي، استجابة لتطور الزمان، ومواكبة المتغيرات والمستجدات، والتطور السريع لإيقاع الأحداث، حيث لم يعد يتسع علم الفرد ولا عمره لمتابعة المشكلات، ناهيك عن الإحاطة بعلمها المطلوب للمجتهد، إضافة على أن الاجتهاد الجماعي يحقق الاقتراب من الحكم اليقيني، فإنه يجنب الأمة التبعثر وعثرات الاجتهاد الفردي المحتملة.
إن خير علاج لهذه النوازل هو الاجتهاد الجماعي عبر هذه المجامع الفقهية، عصماً للفتاوى عن الزلل، وصيانة للفكر عن الزيغ، وتأكيداً على التلازم المتقن بين التخصصات المختلفة, وهذا النوع من الاجتهاد يجعل الاجتهاد سهل التحقيق، سليم الأحكام -بإذن الله تعالى- خصوصا في النوازل الفقهية المعقدة والقضايا المصيرية والكبيرة التي تستلزم النظر الجماعي المنتج للحكم المتزن المتوافق مع قواعد الشريع ومقاصدها. وبالله التوفيق،،،
وإلى اللقاء في الحلقة الرابعة إن شاء الله تعالى-.

زيادة حجم الخطزيادة حجم الخط مسحمسح إنقاص حجم الخطإنقاص حجم الخط
إرسال لصديق
طباعة
حفظ باسم

التعليقات

التعليقات ( 0 )

التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 12:15 صباحًا الإثنين 19 ربيع الثاني 1441 / 16 ديسمبر 2019.