• ×
  • تسجيل

الأمـن الفكري

 1  0  3.3K

بسم الله الرحمن الرحيم
الخطبة الأولى الأمن الفكري 10 / 6
تتنوع معاني الأمن التي يحتاجها المجتمع، فهناك الأمن النفسي والاستقرار الأسري وهناك ما يسمى بالأمن الغذائي وأمن الصحة الوقائي وكذلك الأمن البيئي، والزراعي مما يوفر حياة سليمة من الأمراض العدوى.
وعلى صعيد أخر هناك الأمن العقدي، والدعوي، والفكري، والعقلي، والعلمي، والاقتصادي وكذلك الأمن العسكري، والسياسي.
فالحاجة إلى الأمن بكافة صوره وأشكاله من أهم الحاجات الفطرية التي لا يمكن أن يكون سلوك الإنسان سوياً بدونها، وكما أنه لا حياة للبدن إلاّ بإشباع حاجاته الفطرية، كذلك لا حياة ولا سرور ولا قرار ولا استقرار للقلب والنفس والروح إلاّ بهذا الأمن.
بيد ان هذا الأمن نعمة وعد الله تعالى بها عباده الذين يعبدونه ويوحدونه ويذبون عن دينه ويحمون حماه، فالله سبحانه وتعالى يقول: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئاً) النور 55
كما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حرص على بيان هذا المعنى فعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أصبح معافى في بدنه آمناً في سربه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا) .
ولقد حرصت الشريعة الإسلامية على تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها بل ان مدارها على تلكم القاعدة العظيمة. فما أمرت الشريعة بشيء أو أباحته إلاّ وفيه مصلحة محققة أو راجحة على مفسدة مرجوحة، ولا نهت عن شيء أو منعته إلاّ وفيه مفسدة محققة أو راجحة على مصلحة مرجوحة.
فبهذا الأمن المترابط هو الذي يتكون منه مزاج الأمة الأمني.
ولأنه لا يبحث ولا يستقر في أمن إلا باستقرار الأمن الفكري وإنه في هذه العصور يعد هاجساً أمنياً لكل مجتمع، فالأمن الفكري الذي يحمي عقول المجتمعات ويحفظها من الوقوع في الفوضى، والعَبِّ من الشهوات بنهم، أو الولوغ في أتون الانسلاخ الأخلاقي الممزق للحياء الفطري والشرعي.
فجميع أنواع الأمن مرهونة الحصول بالأمن الفكري، فالإنسان إذا عاش آمناً استطاع ان يفكر بعمق، وان يجتني من ثمرات خواطره المعاني الصحيحة السامية الرفيعة وتولدت في قلبه الرغبات الطاهرة والإرادات المشروعة ثم جاء سلوكه على مقتضى رغبته مأموناً نافعاً فكان رحمة وأمناً وسلاماً على نفسه ومجتمعه وأمته.
إن الأمن كل لا يتجزأ، وهو منظومة متناغمة الأجزاء متساوقة الأنحاء إذا حدث خلل في إحداها تداعى له سائرها بالحمى.
ولقد أرسل الله سبحانه وتعالى الرسل وأنزل الكتب لإرساء قواعد الإيمان الصحيح الذي يقوم على سلامة الاعتقاد والقول والعمل ولا يكون ذلك إلاّ بسلامة القلب الذي هو بيت الفكر والإرادات والمشاعر وسلطان الجوارح ولن يكون القول سليماً مرضياً ولا العمل صحيحاً مقبولاً إلاّ إذا كان القلب سالماً لله عز وجل، سليماً من الآفات والعلل ورديء الهمات والعزمات قال تعالى: (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلاّ من أتى الله بقلب سليم) رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا وأن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب)
إن الأمن الفكري حالة تشعر الفرد والمجتمع بالطمأنينة على ثقافته ومعتقداته وأعرافه ومكونات أصالته ومنظومته الفكرية المستمدة من الكتاب والسنة من ان يصيبها التشويه أو التشويش أو الاختراق أو الضبابية أو التعتيم.
إنها الحالة التي تجعل كل فرد من أفراد المجتمع جبلاً شامخاً لا تستطيع رياح الشبهات ولا العواصف الكفريات ولا الأعاصير النفاقيات ولا البدع الضلالات من شرقيات أو غربيات ان تهزه أو ان تنال من ثباته على قيمه ومبادئه.
إنه ضرورة دينية حرص عليها الأنبياء لأممهم وأقوامهم فخليل الله إبراهيم يناصح أباه في غاية اللطف ليرده عن مصدر الضلالات والوساوس الكفريات يقول: (يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصياً)
يطلب الأمن بجميع صوره وأشكاله للبلد الحرام وساكنيه من الطائفين والعاكفين والركع السجود، وقد سطر ذلك القرآن في قوله تعالى: (وإذا قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمناً) وقال تعالى ممتناً على قريش: (الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف) وقال تعالى: (أو لم نمكن لهم حرماً آمناً يجبى إليه ثمرات كل شيء)
إن الأمن الفكري هو السبيل الوحيد لبلوغ الأمة عزها ومجدها وإحرازها خيريتها واستخلافها وتمكينها أيما تمكين، فوحدة الفكر على عقيدة الإسلام تثمر وحدة الشعور بالمسؤولية والواجب وتحيي الضمائر وتدفع إلى المعالي فيتحقق للأمة سعادتها وفلاحها وعزها وكرامتها.
إن فكرنا جزء لا يتجزأ من عقيدتنا وثقافتنا وتأمينه لديننا وإسلامنا، وحراسته حراسة لعقيدتنا وشريعتنا
وإذا كانت الأمم تسعى إلى الإبداع والعبقرية والنبوغ، فإن الأمن الفكري هو أعظم مناخ للإبداع والنبوغ والعبقرية والرقي والحضارة فإن الحضارات الراقية على مر التاريخ ما قامت إلاّ على فكر حر وبيئة آمنة مطمئنة.
وإذا كان الشباب هم عماد النهضة وأمل المستقبل فبالأمن الفكري نحميهم ونصونهم عن الشبهات وضبابيات الأفكار المنحرفة.
إن مضامين الأمن الفكري لابد أن تكون مستمدة من ديننا ومن مصادره الصحيحة المعتمدة من القرآن والسنة الصحيحة، منسجمة مع مقاصد شريعتنا تدور مع المصلحة والمنفعة حيث دارت، وتحقق الوسطية والعدل ولا مجال لمتأول أو متفلسف أو متعولم في أن يحوم حول الحمى إلاّ بحق عليه نور من القرآن وسنة نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام.
فالأمن الفكري ليس مجالاً لتلاعب المتلاعبين ولا لعبث العابثين من أنصاف المتعلمين أو أرباعهم أو أدعياء التفكير والتنوير، قال الله تعالى: (ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور)
عباد الله إن من الوسائل الوقائية لحماية الأمن الفكري
(1) إظهار وسطية الإسلام واعتداله وتوازنه وترسيخ الانتماء لدى الشباب لهذا الدين الوسط وإشعارهم بالاعتزاز بهذه الوسطية(وكذلك جعلناكم أمة وسطاَ لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً ) ، وهذا يعني الثبات على المنهج الحق وعدم التحول عنه يمنة أو يسرة وعدم نصرة طرف الغلو والإفراط أو طرف الجفاء والتفريط في صراعهما المستمر.
(2) معرفة الأفكار المنحرفة وتحصين الشباب ضدها: فلا بد من تعريفهم بهذه الأفكار وأخطائها قبل وصولها إليهم منمقة مزخرفة فيتأثرون بها ؛ لأن الفكر الهدام ينتقل بسرعة كبيرة جداًّ ولا مجال لحجبه عن الناس ولقد كان الناس يسألون رسول الله عن الخير لكن حذيفة بن اليمان كان يسأله عن الشر مخافة أن يدركه وهو منهج قرآني دل عليه قوله تعالى: (وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين) فإستبانة سبيل المجرمين لاجتنابها كان سبباً لتفصيل الآيات حولهم ، كما أن فضح المنافقين في القرآن وخصوصاً في سورة التوبة وكشف طريقة تفكيرهم كان من أهدافه تحذير المسلمين عن سلوك مسالكهم
والغالب أن القلب والفكر محل لمن سبق إليه ،ومن هنا فأهمية السبق بالبيان كبيرة في الوقاية من الفكر المنحرف بإذن الله ومثال ذلك أفكار أهل التكفير التي قادت إلى التفجير لو تم مناقشتها بوضوح في بداياتها لما راجت على كثير من الشباب
(3) إتاحة الفرصة الكاملة للحوار الحر الرشيد داخل المجتمع الواحد : وتقويم الاعوجاج الفكري بالحجة والإقناع؛ لأنه لا بديل عن الإقناع و بالدليل الشرعي من الكتاب و السنة لأنهما المرجع لكل مريد للحق و طالب له و من أراد غيرهما فقد طلب شططاً و لا حول و لا قوة إلا بالله .
(4) الاهتمام بالتربية : في المدارس والمساجد والبيوت ، وكم يؤلم أن نرى ونسمع هذا الانفصال الشعوري بين الآباء والأبناء ، وبين المعلمين والطلاب ، وبين الخطباء والمصلين في كثير من الأحيان ؛ بل إن بعض المشاركين في أحداث التفجيرات التي مرت بالأمة قد انفصلوا عن أهلهم وخرجوا من بيوتهم منذ مدة طويلة نسأل الله الهداية لشبابنا .
(5) الدعاء : وهو سلاح عظيم له أثر كبير في حلول الأمن الفكري وقد أهمله كثير من الناس فلا تكاد الأيدي ترتفع سائلة الله الهداية إلى الصواب مع أن نبي الله (ص) وهو المؤيد المسدد بالوحي كان يقول في دعائه (اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة إهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك ) بل إن المسلم لا يكاد يكرر دعاءً ولا كلاماً في حياته كتكراره لكلمة ( اهدنا الصراط المستقيم ) التي هي جزء من الفاتحة وقراءتها ركن في كل صلاة بل في كل ركعة بما يزيد عن ستة آلاف مرّة في العام الواحد فالقلوب كما في الحديث الصحيح ( بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء ) .
بارك الله لي و لكم في القرآن العظيم . . .





الخطبة الثانية
من الوسائل العلاجية لحماية الأمن الفكري :
الواقع العملي أن البعض قد وقعوا في هذا المرض ( الانحراف الفكري ) ولم تجد محاولة الوقاية شيئاً في دفعه عنهم ، ومن هنا وجب على المجتمع السعي في علاجهم قبل فوات الأوان ومن وسائل العلاج:
(1) دعوة المخطئ إلى الرجوع عن خطئه وبيان الحق بالمناقشة العلمية الهادئة دون اتهام للنيات فقد تكون صادقة ، ولكن هذا لا يغني عن صاحبها شيئاً كما قال تعالي : ( وجوه يومئذٍ خاشعة عاملة ناصبه تصلى نار حامية ) .
(2) تجنب الأساليب غير المجدية فالمصاب بهذا المرض لا يعالج بالتركيز على الوعظ والتخويف من عقاب الله فهذا الأسلوب في الغالب لا يجدي معهم لأن أمثال هؤلاء يرون أنهم على صواب ودين فكيف تعظ إنساناً يظن أنه على الدين الحق قبل أن تبين له خطأه الفكري فيما يراه حقاًّ ، ولا يعالج المصاب بهذا المرض بالتركيز على التهديد والوعيد ؛ لأن أمثال هؤلاء يرون أنهم يتقربون إلى الله بما يصيبهم من الأذى والنكال ؛ بل رأينا من يُقدم على ما يضره عالماً بذلك بزعم طلب الأجر من الله فهذا التهديد والوعيد لا يزيده إلا إقداماً فمثل هذه الأساليب تستنزف الكثير من الجهد والوقت وقد تكون ثمرتها محدودة في العلاج .
(3) وجوب الأخذ على أيديهم ومنعهم من الإخلال بالأمن الفكري للمجتمع ولو أدى ذلك إلى إجبارهم على عدم مخالطة الآخرين لاتقاء شرهم ، وقد ضرب النبي الله علية وسلم مثلاً بليغاً لمثل هذه الحالة فقال ( مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً ،وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونحوا جميعاً)
(4) النهي عن مجالسة أهل الانحراف الفكري الذين يريدون خرق سفينة المجتمع وإغراق أهلها بخوضهم في آيات الله وتجرأهم على الفُتيا بغير علم وقد قال تعالى : ( وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره) .
(5) ضرورة التفريق بين الانحراف الفكري الذي لم يترتب عليه فعل وبين من أخل بفعله بالأمن في مجتمعه فمن ظهر منه عمل تخريبي وثبت عليه شرعاً فيجب محاسبته على ما بدر منه كائناً من كان وعقابه بما يستحقه شرعاً حتى ولو كان ظاهره الصلاح والاستقامة فيما يرى الناس شأنه في ذلك شأن من كان ظاهره الصلاح لكنه وقع في السرقة أو الزنا أو القذف على سبيل المثال ، فإن ما ظهر للناس من صلاحه واستقامته لا يشفع له ويسقط المحاسبة عنه لكن العبرة هنا بالثبوت الشرعي المعتبر لجرمه التخريبي ، ( والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون )
و إننا و الله نفرح حينما نسمع و نقرأ عن الذين سلموا أنفسهم للجهات الأمنية بعد قناعتهم بأنهم جانبوا الصواب و خالفوا ما عليه الأمة و الرجوع إلى الحق فضيلة و منقبة لصاحبه و هو خير من التمادي في الباطل , نسأل الله أن يهدينا طريقه المستقيم و سنة خاتم النبيين و المرسلين .
زيادة حجم الخطزيادة حجم الخط مسحمسح إنقاص حجم الخطإنقاص حجم الخط
إرسال لصديق
طباعة
حفظ باسم

التعليقات

التعليقات ( 1 )

  • #1
    بواسطة : الشيخ
    06-15-1432 03:20 مساءً
    بلا شك أن الأمن الفكري هو كل شي ويجب الإهتمام به أكثر بكثير


    جزاك الله خير ونفع الله بعلمك
التعليقات ( 1 )

  • #1
    بواسطة : الشيخ
    06-15-1432 03:20 مساءً
    بلا شك أن الأمن الفكري هو كل شي ويجب الإهتمام به أكثر بكثير


    جزاك الله خير ونفع الله بعلمك
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 02:11 مساءً الثلاثاء 15 ربيع الأول 1441 / 12 نوفمبر 2019.