• ×
  • تسجيل

اللذة المفقودة والنعمة المنشودة

 2  0  2.3K
اللذة المفقودة

ما أجمل الحياة عندما تكون مع الله وما أجمل الحياة عندما تكون الروح متصلة بالله تبث لمولاها همومها ومشاكلها , في الرخاء مع الله وفي الشدة مع الله , إنها والله لحياة سعيدة وعيشة هنيئة يعشها ذاك الجسد الذي علق قلبه بالله , وعكس ذلك من نسي ربه وقطع سبل النجاة مع الله وذهب ليشكي همومه وآلامه لضعفاء أمثاله علق قلبه بالمخلوقين ونسي الخالق سبحانه , فأي الفريقين أحق بالأمن ؟

في حجة مضت وعندما كنا وقوفاً في عرفات متهيئين للإنطلاق لمزدلفة في تلك اللحظة الحاسمة والتي ستغرب فيها شمس ذلك اليوم العظيم الذي يباهي الله ملائكة بأوالئك النفر الوقف على ذلك المشعر العظيم ناداني قريبي قائلاً فلان أنظر لذلك الرجل , نظرت إليه فرأيت رجلاً رافعاً يديه يدعو ربه وليس العجيب في ذلك بل هالني تلك الدموع الغزار التي إنسابت على خديه كالنهر الجاري , عندها قلت في نفسي هنيئاً لك هذه الدموع , وهنيئا لك هذا الخشوع .

وفي موقف آخر وأنا أطوف على البيت العتيق مررت على رجل كبير في السن جالساً باتجاه الكعبة رافعاً يديه بإلحاح منكساً رأسه والدموع الغزار التي هالتني من كثرتها كان بجنبي أحد الأصحاب والذي قدم معي للعمرة قلت له فلان أنظر لهذا المشهد المؤثر, فالله سبحانه يريد منا مثل هذا .
أحبتي في الله تجلى في هاذين الموقفين معاني عظام من أعظمها نعمة عظيمة ولذة عجيبة من ذاق طعمها نسي الدنيا وما فيها , نعم من ذاقها ذاق السعادة المنشودة ومن ذاقها نسئ الدنيا وآلامها , وعاش بجسد على الأرض يمشي وقلب يطوف حول العرش .

أتدرون ما هي إنها لذة المناجاة هذه النعمة المفقودة واللذة المنشودة من رزقها رزق الخير كله ومن حرمها فهو المحروم , قولوا لي بالله هل يستوي من إذا رفع يديه لخالقه نسي من حوله وسجد قلبه قبل جوارحه لمولاه وطافت روحه حول العرش هل يستوي هو ومن إذا رفع يديه يسأل ربه سأل بقلب غافل لاه , لا يستوون عند الله .

إن المشكلة الكبرى والمصيبة العظمى والتي نحن غارقون فيها ونحن لا نعلم , هي في فقدان هذه النعمة ونحن لا نشعر , إننا نريد أن نبدأ بتصحيح المسار والعلاقة مع الله سبحانه وما يأتي ذلك إلا بتغيير الطريقة التي ندعو الله بها , كثير ما أشاهد من بعض المصلين وأنا أولهم ما إن يرفع يديه ليدعوا ربه إلا وينزلها بأسرع ما يكون وكأن المسكين قد أخذ العهد على ربه باستجابة دعائه , أين نحن من شدة مناجاة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قال له الصديق رضي الله عنه كفاك يا رسول الله بعض مناشدتك ربك .

أين نحن ممن إذا رفع يديه ليدعوا ربه أسبل الدمعات ونكس رأسه وأنكسر قلبه وألح في دعائه .
نعم لابد أن نحاسب أنفسنا ونبكي على حالنا كم حرمنا هذه النعمة العظيمة كيف لم نشعر بهذا الحرمان كيف رانت الذنوب على قلوبنا حتى نسينا أننا في غفلة . أما نخشى أن كون مثل عالم بني إسرائيل فقد ذكر ابن الجوزي في صيد الخاطر: قال عبد أوعالم من بني إسرائيل: يارب كم أعصيك وكم تتوب عليَّ فأين العقاب؟ فقال الله له:" ألم أحرمك لذة مناجاتي؟" يعني ألم أحرمك العبادة والصلاة ومناجاتي ، وحرمتك حلاوة الذكر، وحلاوة الاستغفار، فكثير من الناس يقرأ ويتعلَّم، ولكن ما وجد حلاوة الإيمان؛ لأنه قطع الإتصال بينه وبين الله.
نعم لم نجد للدعاء حلاوة ولم نجد للصلاة حلاوة ولم نجد للذكر حلاوة فأي غفلة أستحكمت على قولبنا وأي ذنب حال بيننا وبين هذه النعم , فلنعد لربنا ولننطرح بين يديه وليسبل كل منا الدموع ولندعو الله بقلب منكسر ولنعلن التوبة لله سبحانه وندعوه ربنا أن يرزقنا لذة العبادة ولذة المناجاة .
أحبتي في الله نحن أطباء أنفسنا ونعرف الداء الذي أستحكم على قلوبنا ونعرف الدواء الذي في نجاتنا فماذا لا نحاول التصحيح .
وأنا هنا أسوق لكم بعض الآيات من القرآن الكريم ليعرض كل منا نفسه عليها هل أتصف بها أم لا ؟

1- قال تعالى (الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب (


2- قال تعالى ) أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه )

3- قال تعالى ( تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا (

4- قال تعالى (وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم ءايات الرحمن خروا سجدا وبكيا )

وهذه قصيدة منسوبة لأمير المؤمنين علي بن ابي طالب رضي الله عنه رائعة في أبياتها ومعانيها

لَكَ الحَمدُ يا ذا الجودِ والمَجدِ وَالعُلا ..... تَبارَكتَ تُعطي مَن تَشاءَ وَتَمنَعُ
إِلَهي وَخَلّاقي وَحِرزي وَمَوئِلي ..... إِلَيكَ لَدى الإِعسارِ وَاليُسرِ أَفزَعُ
إِلَهي لَئِن جُلتُ وَجَمَّت خَطيئَتي ..... فَعَفوُكَ عَن ذَنبي أَجَلُّ وَأَوسَعُ
إِلَهي لَئِن أَعطَيتَ نَفسي سُؤلُها ..... فَها أَنا في أَرضِ النَدامَةِ أَرتَعُ
إِلَهي تَرى حالي وَفَقري وَفاقَتي ..... وَأَنتَ مُناجاتي الخَفيَّةِ تَسمَعُ
إِلَهي فَلا تَقطَع رَجائي وَلا تُزِغ ..... فُؤادي فَلي في سَيبِ جُودِكَ مَطمَعُ
إِلَهي لِئَن خَيَّبتَني أَو طَرَدتَني ..... فَمَن ذا الَّذي أَرجو وَمَن لي يَشفَعُ
إِلَهي أَجِرني مِن عَذابِكَ إِنَّني ..... أَسيرٌ ذَليلٌ خائِفٌ لَكَ أَخضَعُ
إِلَهي فَآنِسني بِتَلقينِ حُجَّتي ..... إِذا كانَ لي في القَبرِ مَثوىً وَمضجَعُ
إِلَهي لَئِن عَذَّبتَني أَلفَ حَجَّةٍ ..... فَحَبلُ رَجائي مِنكَ لا يَتَقَطَّعُ
إِلَهي أَذِقني طَعمَ عَفوكَ يَومَ لا ..... بَنونٌ وَلا مالٌ هُناكَ يَنفَعُ
إِلَهي إِذا لَم تَرعَني كُنتُ ضائِعاً ..... وَإِن كُنتَ تَرعاني فَلَستُ أَضيعُ
إِلَهي إِذا لَم تَعفُ عَن غَيرِ مُحسِنٍ ..... فَمنَ لَمسيءٍ بِالهَوى يَتَمَتَّعُ
إِلَهي لَئِن فَرَّطتُ في طَلبِ التُقى ..... فَها أَنا أَثْرَ العَفو أَقفو وَاَتبَعُ
إِلَهي لَئِن أَخطَأتُ جَهلاً فَطالَما ..... رَجَوتُكَ حَتّى قيلَ ها هُوَ يَجزَعُ
إِلَهي ذُنوبي جازَت الطَودَ وَاَعتَلَت ..... وَصَفحُكَ عَن ذَنبي أَجَلُّ وَأَرفَعُ
إِلَهي يُنجِّي ذِكرُ طَوْلِكَ لَوعَتي ..... وَذِكرُ الخَطايا العَينُ مِنّيَ تَدمَعُ
إِلَهي أَنِلني مِنكَ روحاً وَرَحمَةً ..... فَلَستُ سِوى أَبوابِ فَضلِكَ أَقرَعُ
إِلَهي لِئَن أَقصَيتَني أَو طَرَدتَني ..... فما حِيلَتي يا رَبُّ أَم كَيفَ أَصنَعُ
إِلَهي حَليفُ الحُبِّ بِاللَيلِ ساهِرٌ ..... يُنادي وَيَدعو وَالمغَفَّلُ يَهجَعُ
وُكُلَهُمُ يَرجو نَوالَكَ راجياً ..... لِرَحمَتِكَ العُظمى وَفي الخُلدِ يَطمَعُ
إِلَهي يُمنّيني رَجائي سَلامَةً ..... وَقُبحُ خَطيئاتي عَليَّ يَشيَّعُ
إِلَهي فَإِن تَعفو فَعَفوُكَ مُنقِذي ..... وَإِلا فَبالذَنبِ المُدَمِّرِ أُصرَعُ
إِلَهي بِحَقِّ الهاشِميِّ وَآلِهِ ..... وَحُرمَةُ إِبراهيمَ خِلَّكَ أَضرَعُ
إِلَهي فَاِنشُرني عَلى دينِ أَحمَدٍ ..... تَقيّاً نَقيّاً قانِتاً لَكَ أَخشَعُ
وَلا تَحرِمَنّي يا إِلَهي وَسَيِّدي ..... شَفاعَتَهُ الكُبرى فَذاكَ المُشفَّعُ
وَصَلِّ عَلَيهِ ما دَعاكَ مُوَحِّدٌ ..... وَناجاكَ أَخيارٌ بَبابِكَ رُكَّعُ



كتبه : شايع حمد العمار
14 / 10 / 1432هـ
كاتب في صحيفة الأفلاج الإلكترونية
زيادة حجم الخطزيادة حجم الخط مسحمسح إنقاص حجم الخطإنقاص حجم الخط
إرسال لصديق
طباعة
حفظ باسم

التعليقات

التعليقات ( 2 )

  • #1
    بواسطة : سالم
    10-14-1432 06:57 مساءً
    الله يبارك في علمك ووقتك ويخليك لعيالك يأبوحمد

    الطلاب ومحبي أستفادو منك


    شكرا لك
  • #2
    بواسطة : المشرف عبدالله الدوسري
    10-15-1432 02:03 صباحًا
    جزاك الله خير يا شيخنا الجليل
التعليقات ( 2 )

  • #1
    بواسطة : سالم
    10-14-1432 06:57 مساءً
    الله يبارك في علمك ووقتك ويخليك لعيالك يأبوحمد

    الطلاب ومحبي أستفادو منك


    شكرا لك
  • #2
    بواسطة : المشرف عبدالله الدوسري
    10-15-1432 02:03 صباحًا
    جزاك الله خير يا شيخنا الجليل
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 12:10 مساءً الثلاثاء 16 صفر 1441 / 15 أكتوبر 2019.