• ×
  • تسجيل

مدرسة الحج التربوية

 1  0  2.2K
في هذه الحياة يتعرض الإنسان إلى كم هائل من الأفكار ذات الأمواج المتلاطمة، فيها الخير والشر تماماً كما في المحيطات من أسرار لا تحصى فإن أراد الشخص الغوص في أعماق الحياة غرق، فهي صراعات ومواجهات وصدمات، ولا عجب فهذه قدرة الجاهل تقف عاجزة عن مواجهة واستيعاب مفاجآت الحياة، فكان لزاما أن تنشأ المدارس لتعليم البشرية للوقوف ضد هذه التيارات، ولعلي أتحدث عن أعظم مدرسة وأنبل ، مدرسة الحج حيث قوافل الحج وصلت بيت الله، وصلت وفي قلوبها تفيض السعادة، وصلت وهي تحمل مشاعر فياضة، منهم من طار جواً ومنهم من ركب بحراً ومنهم من امتطى أرضا وأتوا وقد حملهم إيمانهم بأن الله واحد لا شريك له، ولا معبود بحق سواه، أتوا من مشارق الأرض ومغاربها وقد تركوا الوطن وراياته ورفعوا التوحيد، تركوا بيوتهم وتوجهوا إلى بيت ربهم توجهوا إلى حرماته إلى الأمكنة الفاضلة المقدسة الطاهرة، يؤدون عبادة هي من أفضل العبادات وقربة هي من أفضل القربات لا يريدون نزهة ولا رياء لا يريدون فخراً ولا بهاء، بل يريدون تلبية نداء ربهم ( وأّذٌَن فٌي الناس بٌالًحّجٌَ يّأًتٍوكّ رٌجّالاْ )
أراهم يهزهم شعورهم بالعزة، ينثرون مشاعرهم بين صفوف الحجاج، أراهم تخنقهم العبرات، وترقق قلوبهم النفحات : سأبكيهم ما حج لله راكب وما ناح قمري على الشجرات

إن الحج مدرسة تربوية، يتعلم فيها الحاج علوما جمة، فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج، يتعلم بأن الحج تجديد للعهد مع الله فيه يحفظ الحاج لسانه، ويقيم واجباته وأركانه، قد طمسوا على ذكرياتهم الدنيوية ، وجلساتهم المنزلية ، وسمراتهم الليلية.
نرى التعب في أعينهم والإرهاق اعتلى وجوههم قد أكلت الأرض من أقدامهم، منهم العاجز والمريض منهم الكهل والضعيف ومنهم من قصرت رقبته وانحنى ظهره وهذه امرأة مسكينة تمشي الهوينى وهذا شيخ مسن قد حمل حاجاته ومع ذلك نسمع عجيج دعواتهم وهتاف تلبيتهم، ورفع أكفهم، ونشيج بكائهم، إنها حلاوة الإيمان.. انه تعظيم الشعائر{ذّلٌكّ ومّن يٍعّظٌَمً شّعّائٌرّ پلَّهٌ فّإنَّهّا مٌن تّقًوّى پًقٍلٍوبٌ} ذلك هو التوحيد جمعهم، هو التوحيد ألبسهم، هو التوحيد وحدهم، هو التوحيد منهجهم.
في الحج تتأصل العقيدة.. العبادة لله وحده، نستغفره، نذكره، نلبي نداءه، نذبح له، نرمي لأمره، نطوف ونسعى لحكمة يعلمها، تلهج ألسنتهم مرددين " الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر ولله الحمد " الله أكبر من كل شيء الله الخالق لا ندله.. رزقنا.. أطعمنا.. سقانا.. أوجدنا من العدم،، الله رفع السماوات وبسط الأرض.
المدرسة تعلم المسلم الفقه في أحكام الحج والتفقه في الدين فالطواف سبعاً والسعي سبعاً، الحلق واجب، الوقوف بعرفة ركن.
تعلم الصبر على طاعة الله والصبر عن المعصية والصبر على أقدار الله.
تعلم الزهد في المأكل والمشرب والملبس، ولا يجوز مس الطيب، وأخذ شيء من الشعر والأظفار.
تعلم الصدقة والعطاء، البذل والسخاء.
تعلم الذلة والمسكنة لله وحده. هذا رفع يديه باكياً وتلك تدعو ربها متذللة وذاك سقط رداؤه يشكو إلى الله حاله.
اللهم لا تردهم صفراً.
فيه المبادرة إلى التوبة فيه ينفق المال الحلال.. الصحبة الصالحة.. الإخلاص..الوصية.. الذكر.. غض البصر.. صلاة الفرض.. الأخوة في الدين.. التآلف.. التعاون على البر والتقوى.. النصيحة لله ولرسوله.. المحبة.. التعارف.. الصلة بالله.. الجسد واحد متماسك كالبنيان يشد بعضه بعضاً..
عند ذلك يعرف الحاج أن الحج ليس لمجرد الطواف أو السعي ولا الذبح أو الرمي، إنما الحج مدرسة تربوية منهم المتخرج الذي رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه.ومنهم اللهم لا تجعل أحداً منهم من رجع بالتعب والسهر والخيبة والخسران.

كتبها : مرزوق بن مبارك الشريدة
كاتب في صحيفة الافلاج الإلكترونية
زيادة حجم الخطزيادة حجم الخط مسحمسح إنقاص حجم الخطإنقاص حجم الخط
إرسال لصديق
طباعة
حفظ باسم

التعليقات

التعليقات ( 1 )

  • #1
    بواسطة : بوح قلم
    12-27-1432 05:01 مساءً
    جزاك الله خيرآ
    موضوع جميل ورائع ووافي وكافي بكل النواحي
    يعطيك العافية
التعليقات ( 1 )

  • #1
    بواسطة : بوح قلم
    12-27-1432 05:01 مساءً
    جزاك الله خيرآ
    موضوع جميل ورائع ووافي وكافي بكل النواحي
    يعطيك العافية
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 03:05 صباحًا الأحد 20 ربيع الأول 1441 / 17 نوفمبر 2019.