• ×
  • تسجيل

الضرب وسيلة تربو ية

 0  0  2.1K
الضرب وسيلة تربو ية

بسم الله الرحمن الرحيم

مما لاشك فيه أن العلم لا يناله ولا يجد في تحصيله إلا راغب أو راهب وحيث أن كثيرأَ من أبنائنا الطلاب من ذوي الحداثة في السن ممن هم في سن الطفولة أو المراهقة لا يقبلون على التعليم في الغالب إلا عن رهبة من آبائهم أو ذويهم 0
و الإسلام يعتمد في صياغة الشخصية الإسلامية وتنميتها روحياًَ ومعرفياً وعقلياً ونفسياً واجتماعياً على أسلوب الثواب والعقاب وهذا الأسلوب التربوي يجب أن يستخدمه الآباء والمعلمون من أجل غرس القيم والمعلومات المطلوبة في نفوس التلاميذ وتوجيه سلوكهم في الإتجاه الصحيح 0
وإذا كان الإسلام يجيز هذا الأسلوب في تقويم السلوك فإنه لا يحبذ أن يكون هو أول ما يتبع لتأديب المتعلمين فإن هذا ولا شك يضر بهم فالخوف من الضرب بالعصا قد يرغمهم على اتباع كافة السبل غير المشروعة من كذب أو غش لتجنب آلام عصا المعلم .
ولذلك يحذر ابن خلدون رحمه الله من استخدام العقوبة الشديدة على المتعلمين وخاصة في مراحل الطفولة الأولى لأن ما يترتب على استخدام الشدة في هذه المرحلة يؤثر على شخصية الطفل مستقبلاً ويولد آثاراً نفسية واجتماعية غير مرغوب فيها ونقرأ في مقدمة ابن خلدون قوله :
( إن إرهاف الحد في التعليم مضر بالمتعلم سيما في أصاغر الولد لأنه من سؤ الملكة ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين ... ضيق على النفس وذهب بنشاطها ودعى إلى الكسل وحمل على الكذب والخبث وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفاً من انبساط الأيدي بالقهر عليه ) ص 449.
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن التحذير من الشدة على المتعلم لا يعني إلغاء القيمة التربوية للعقاب ، فالعقاب الخفيف الذي يوقعه المعلم على المتعلم يكون مفيداً إذا توفرت فيه شروط معينة وهي البعد عن ضرب الوجه والأماكن التي قد يؤدي الضرب فيها إلى حصول الضرر وأن لا يكون الضرب عادة متكررة وأن لا يضرب من هم دون العاشرة أو من دخلوا مرحلة البلوغ .
ويوضح لنا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن الإصلاح باستخدام العقوبة يقابله إصلاح باستخدام المثوبة أيضاً ولكن بشرط أن يكون الثواب والعقاب على قدر العمل لا يزيد عنه ولا ينقص حتى لا تنتفي الفائدة المرجوة من استخدامه يقول رحمه الله :
( الثواب والعقاب يكونا من جنس العمل في قدر الله وفي شرعه فإن هذا من العدل الذي تقوم به السماء والأرض ) الحسبة ص64.
وعلى المعلم أن يكون ذا بصيرة وفطنة وأن يراعي أحوال من يربيهم ويعلمهم فالناس صغاراً وكباراً رجالاً ونساءاً مختلفون في طبائعهم وقدراتهم العقلية والنفسية ومتفاوتون في مدى استعدادهم لقبول النصح والتوجيه .
ومن هنا ينبغي أن يعامل كل انسان بما يناسبه من أسلوب أو طريقة يستجيب لها أو هي تجدي في إصلاحه وتقويمه فليس كل الطلاب تؤثر فيهم الكلمة الطيبة أو يستجيبون للموعظة الحسنة فالعصا لمن عصى .. أي لمن أصر على عناده وفساده فلا بد له من عقاب مادي يردعه وهو في الوقت ذاته ينفعه .
والمعلم مسؤول عن التفريق في تربيته بين من تؤثر فيه النصيحة أو الملامة أو النظرة الساخطة ، وبين من لا يستجيب إلا للعقاب المادي . ومن الخطأ الجسيم أن يسوي المعلم في تعامله مع طلابه في مؤاخذتهم على تقصيرهم بين هذا وذاك .
وما أبلغ المتنبي حين قال :

ووضع الندى في موضع السيف بالعلا
مضر كوضع السيف في موضع الندى


وإذا استخدم المعلم المخلص الضرب ولم يتعد فيه أو يتجاوز المعقول ونتج عن هذا الضرب سراية فإنه لا يضمنها يقول ابن قيم الجوزية رحمه الله : ( إذا بُط من عاقل أو غيره ما ينبغي بطه في وقته على الوجه الذي ينبغي فتلف به لم يضمن .
وهكذا سراية كل مأذون فيه لم يتعد الفاعل في سببها ، كسراية الحد بالإتفاق وسراية القصاص وسراية التعزير وضرب الرجل امرأته والمعلم الصبي والمستأجر الدابة ) . الطب النبوي ص 110.
ويتضح من هذا القول أن الجمهور لا يرون الضمان على المعلم إذا أدب تلميذه .
فإن كانت التربية الحديثة لا تجيز العقوبة البدنية فمبادئها من وضع البشر وما كل ما يقوله البشر حقاً وصواباً بل الحق والصواب هو ما يقرره رب البشر وخالقهم والذي يعلم مصالحهم يقول سبحانه وتعالى : { واللاتي تخافون نشوزهن
فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا } النساء آية 4.

فجعل سبحانه الضرب عند الضرورة وسيلة من وسائل التأديب لكن ينبغي أن يكون هذا الضرب غير مبرح لا يكسر عظماً ولا يريق دماً ولا يحدث عاهة ولقد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه أمر بضرب الأولاد كما في حديث عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ ) سنن أبي داود حديث رقم 218.
ونلحظ من قوله صلى الله عليه وسلم هذا جعل الضرب وسيلة من وسائل التأديب .
ومهما هاجمت النظريات الحديثة عدم جدوى الضرب كوسيلة تربوية فإن الواقع لا يؤيد هذه النظريات بدليل أن هذه الدول التي وجدت فيها هذه النظريات يقومون بضرب أطفالهم عندما يتسببون في إزعاجهم وما رأينا هذه النظريات في مجتمعاتها قد أوجدت شباباً بعيداً عن العقد النفسية والإضطرابات الفكرية بل العكس هو الحاصل فقد نشأت أجيال في ظل هذه النظريات بلا ضوابط . فكان هذا الضياع في عالم الشباب في تلك البلدان التي ألغت قانون الضرب في مدارسها .
وعلى كل حال فاستعمال الضرب كوسيلة تربوية أمر جاء به الإسلام لكن كل ذلك في حدود المعقول وبالقدر الذي تصلح به الأحوال .




بقلم :
عبدالله بن ابراهيم بن عبدالله العصفور
كاتب في صحيفة الأفلاج الإلكترونية
زيادة حجم الخطزيادة حجم الخط مسحمسح إنقاص حجم الخطإنقاص حجم الخط
إرسال لصديق
طباعة
حفظ باسم

التعليقات

التعليقات ( 0 )

التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 01:00 مساءً الأحد 23 محرم 1441 / 22 سبتمبر 2019.