• ×
  • تسجيل

المكر الوظيفي

 1  0  2.1K
المكر الوظيفي
محمد بن سعود الجذلاني*

****في المقال السابق أشرتُ إلى أننا بحاجة ٍ ماسة ٍ إلى مشروع ٍ وطني وجهود ٍ رسمية ٍ وشعبية من أجل حماية مبدأ العدالة من أي اعتداء، وتوفيره لكل محتاج ٍ إليه ، خاصة ً من يواجهون صعوبات ٍ تحول بينهم وبين نيل حقوقهم المسلوبة ، سواء أكانت هذه الصعوبات نظامية ً أم واقعية ً أم أياً كان نوعها ، وسواء ً كان الطرف الآخر الذي اعتدى على تلك الحقوق أو منعها عن مستحقيها جهة ً حكومية ً أو خاصة ً أو فرداً .

كما أشرت ُ إلى تجربة ديوان المظالم الذي شهدت وتشهد ساحاته آلاف القضايا التي يتظلم أصحابها من حقوق ٍ سُلبتْ منهم أو مظالم وقعت عليهم من بعض مسؤولي الجهات الحكومية المتعسفين الذين لا يعرفون النظام، ولا يرجعون إليه إلا حين تقام على أحدهم الدعوى فيلجأ للنظام ليدافع عن قراره ويجد له مخرجاً من خطئه.

هناك جهات ٍ حكومية ً أو خاصة تُعلن عن توفر وظائف لديها وتستقبل طلبات التوظيف وتُخضع المتقدمين لمسابقة ٍ ظاهرها اختيار الكفؤ منهم وباطنها أنها مجرد ذر ٍ للرماد في العيون لأن شاغلي هذه الوظائف تم تحديدهم سلفاً لا على أساس الجدارة بل على أساس الواسطة
وأوضحتُ في ذلك المقال أن هناك الكثير والكثير جداً من الحالات التي يكون أصحابها مظلومين فعلاً مُنعوا من حقوق وظيفية ٍ لهم، أو تعرضوا لمضايقات ٍ في وظائفهم أو صدرت عليهم قرارات جائرة قد تكون وافقت نص النظام لكنها خالفت روح النص وروح العدالة معاً.

والمشكلة التي أتمنى لو تم التنبه لها ووضع الحلول الكفيلة بمعالجتها أن أمثال هؤلاء المظلومين يواجهون عوائق شكلية ٍ نظامية تحول بينهم وبين العدالة وتصبح الجهات الحكومية ذات العلاقة تتقاذف بهم فيما بينها وكلُّ جهة تلقي باللائمة على الأخرى حتى لا يجدَ هؤلاء لهم ملجأً إلا باب الصحافة ووسائل الإعلام لأنها صوت المجتمع التي أصبحت (محكمة من لا محكمة له) فتفتح لهم أبوابها وصفحاتها ليبثوا شكاواهم ويرفعوا نداءاتهم. وقد يتبنى قضيتهم بعض الكتاب الشرفاء من ذوي الأقلام الوطنية الصادقة الناصحة فيضمون صوتهم إلى أصواتهم ويشاركونهم همومهم إلى أن يجعل الله لهم فرجاً ومخرجاً بعد معاناة ٍ تطول أو تقصر .

غير أنه ليس كل المظلومين يجدون من يتفاعل معهم أو يحسنون خوض غمار مثل هذه الميادين فتضيع حقوقهم وسط الزحام.

ومن القضايا التي يتكرر وقوعها في قطاعات العمل سواء الحكومي أو الخاص والتي تقع فيها أنواعٌ وصور كثيرة من الظلم وبخس الحقوق الوظيفية للموظفين ، دون أن يملك المظلوم وسيلة ً لرفع الظلم عنه ، أن بعض ضعاف النفوس من المسؤولين يسلكون مسالك فاسدةً يتعذر على القضاء الإداري أو العمالي التصدي لها ، ويقف عاجزاً عن إلغائها ، لأنها جاءت بطريقة الحيلة والمكر والتحايل على نصوص النظام لتحقيق غايات ٍ شخصية ٍ فاسدة تحت مظلة النظام . وحتى تتضح الصورة أسوق هنا عدة أمثلة تكشف عن خبايا هذا المكر الوظيفي فمن ذلك :

أن هناك جهات ٍ حكومية ً أو خاصة تُعلن عن توفر وظائف لديها وتستقبل طلبات التوظيف وتُخضع المتقدمين لمسابقة ٍ ظاهرها اختيار الكفؤ منهم وباطنها أنها مجرد ذر ٍ للرماد في العيون لأن شاغلي هذه الوظائف تم تحديدهم سلفاً لا على أساس الجدارة بل على أساس الواسطة.

وفي حالات ٍ أخرى يكون هناك عددٌ من الموظفين مستحقون للترقية ولا توجد إلا وظيفة ٌ أو وظائف محدودة في منطقة ٍ أخرى غير المنطقة التي يعمل فيها هؤلاء المستحقون ، فتشترط الجهة على راغب الترقية أن يوقع إقراراً بقبوله الانتقال إلى المنطقة الأخرى التي فيها المرتبة الأعلى لمرتبته ، وبطبيعة الحال لا يقبل كثير ٌ من المستحقين النقل لغرض الترقية لظروفهم المعيشية والاجتماعية التي يشترك فيها عامة الناس ، إلا واحد منهم تجده يبادر بتوقيع هذا الإقرار ويقبل الانتقال للحصول على الترقية، وقد يكون غيره من الباقين أقدم وأحق منه ، وتكون صورة المكر والخديعة هنا أن هذا الموظف لم يوقع على الإقرار ويقبل الانتقال إلا بعد ترتيب ٍ سابق ٍ غير معلن بينه وبين المسؤول أنه بمجرد صدور قرار ترقيته يصدر قرار ٌ آخر بتكليفه بالعمل في نفس المنطقة التي يقيم بها بل أحيانا يكون ذلك في قرار ٍ واحد ينص على : (يرقى فلان بن فلان على وظيفة كذا بمنطقة مكة على أن يكلف بالعمل في منطقة الرياض) !!. فيكون حصل على الترقية وهو في مكانه بطريقة الحيلة.

ومن الصور أيضاً : موظفٌ يشغل وظيفة ً يحصل فيها على بدل طبيعة عمل وحين استحق الترقية لم يوجد وظيفة ٌ على المرتبة التي يستحق الترقية عليها بنفس مسمى وظيفته التي يشغلها فإن ترقى فات عليه البدل ، فيضطر لحاجة ٍ مادية أن يستغني عن الترقية للمحافظة على البدل ويترك الترقية لغيره ، فيفاجأ بأن مسؤول إدارته يخاطب الخدمة المدنية ويطلب تغيير مسمى الوظيفة التي تركها ذلك الموظف بسبب مسماها إلى نفس المسمى الذي تستحق به صرف البدل ويرقى عليها زميله الذي تربطه رابطة ٌ شخصية بالمسؤول ويبقى ذلك الموظف الذي حُرم الترقية لا يملك حيلة ً ولا يهتدي سبيلا .

ومن الصور أيضاً أن بعض الموظفين حين يصدر بحقه قرارٌ تعسفي ٌغير نظامي من جهته لا يبادر بالتظلم من هذا القرار خوفاً من استعداء المسؤول والوقوع في خسائر قد تكون أكبر حين يخاصم جهته ، فتجده يذهب يمنة ً ويسرة ً لطلب الشفاعات والواسطات لدى رئيس جهته ويقابله ذلك الرئيس بالوعود المعسولة : أبشر وسننظر في أمرك .. وهكذا حتى تنتهي المدة المقررة للاعتراض على القرار والتي لا تقبل بعدها الدعوى . ليجد ذلك الموظف نفسه بعدها مضطراً لتنفيذ قرار ٍ تعسفي ٍ غير نظامي بسبب تصديقه وعود رئيسه .

إلى غير ذلك من الصور الكثيرة التي لا يتسع المقام لسرد المزيد منها هنا. غير أنني أردت فقط لفت النظر إلى مثل هذه الممارسات البغيضة التي تُستخدم فيها الأنظمة أسوأ استخدام، وتُطوّع لتحقيق مقاصد شخصية ٍ تدور بين نفع قريب ٍ وصديق أو الانتقام من عدو ٍ أو شخص ٍ غير مرغوب (وقد يكون بسبب صلاحه ونزاهته) ! .

وكما أكدتُ سابقاً فإن مثل هذه الإشكالات والمظالم مما يقف القضاء أمامها عاجزاً لأنها لبست لباس المكر والخديعة والقضاء في الأصل إنما يحكم بالظاهر ولا يدخل للبواطن والنوايا ، وكما قال صلى الله عليه وسلم : " قد يكون بعضكم ألحن بحجته من صاحبه فأقضي له على نحو ما أسمع" وما من شك ٍ أن المسؤول في الجهة الحكومية أو الخاصة غالباً ما يكون ألحن بحجته من الموظف لديه لأن المسؤول أكثر اطلاعاً على الأنظمة، وأدرى بخباياها وأقدر على استغلالها وتوظيفها لتحقيق غاياته التي لا تكون دائماً نزيهة.

إذاً فنحن بحاجة ٍ إلى هيئة حماية العدالة التي ترشد الحائرين وتدل التائهين وتمد العون للمظلومين وتوجد الحلول للحالات التي لا تُسعفها الأنظمة فلا تسود الأمم والدول إلا بالعدل الذي قامت عليه السموات والأرض.

والحمد لله أولاً وآخراً

*القاضي السابق في ديوان المظالم والمحامي حالياً
زيادة حجم الخطزيادة حجم الخط مسحمسح إنقاص حجم الخطإنقاص حجم الخط
إرسال لصديق
طباعة
حفظ باسم

التعليقات

التعليقات ( 1 )

  • #1
    بواسطة : هزاع العزمه
    05-04-1433 05:54 صباحًا
    مقال أكثر من رائع وفعلا كلامك يحاكي الواقع الملموس
    وإلى الامام ياأبو سعود
التعليقات ( 1 )

  • #1
    بواسطة : هزاع العزمه
    05-04-1433 05:54 صباحًا
    مقال أكثر من رائع وفعلا كلامك يحاكي الواقع الملموس
    وإلى الامام ياأبو سعود
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 12:07 مساءً الأربعاء 16 ربيع الأول 1441 / 13 نوفمبر 2019.