• ×
  • تسجيل

سورة النعِم

 0  0  2.6K
سورة النعِم

الحمد لله الذي جعل القرآن تبياناً لكل شي وهدى ورحمة للمؤمنين والصلاة والسلام على من كان خلقه القرآن ثم أما بعد:

فإن نعم الله علينا كثيرة ومننه وفيرة فهي غير محصاة ولعلنا نتذاكر بعض النعم التي ذكرت في سورة النحل وقد سميت بالنعم لذكر النعم والأنعام فيها، وتذكر النعم هو مما يجدد للمخلوق شكر الخالق بقلبه ولسانه وجوارحه، ومما يجعل النعم تزداد كما قال تعالى{ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ}وقد تضمنت هذه السورة آيات كثيرة في النعم فمن ذلك:

أولاً:قوله تعالى{ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ }فذكر سبحانه نعمة الأنعام من إبل وبقر وغنم وما يستدفئ بها من الأصواف ومافيها من المنافع من لحمها ودرها لبنها، كما أن فيها جمال وحسن حين الرواح وهو رجوعها بالعشي وسراحها إلى مراعيها بالغداة،بالإضافة إلى حملها الأثقال من متاع وطعام إلى مسافات بعيدة لايصل إليها الإنسان إلا بشق الأنفس، ثم ذكر سبحانه الخيل والبغال والحمير ومافيها من منفعة الركوب والزينة، وقد جاء في الخيل ماجاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الخيل ثلاثة هي لرجل وزر وهي لرجل ستر وهي لرجل أجر فأما التي هي له وزر فرجل ربطها رياء وفخرا ونواء على أهل الإسلام فهي له وزر وأما التي هي له ستر فرجل ربطها في سبيل الله ثم لم ينس حق الله في ظهورها ولا رقابها فهي له ستر وأما التي هي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله لاهل الإسلام في مرج أو روضة فما أكلت من ذلك المرج أو الروضة من شيء إلا كتب له عدد ما أكلت حسنات وكتب له عدد أرواثها وأبوالها حسنات ولا تقطع طولها فاستنت شرفا أو شرفين إلا كتب له عدد آثارها وأرواثها حسنات ولا مر بها صاحبها على نهر فشربت منه ولا يريد أن يسقيها إلا كتب الله تعالى له عدد ما شربت حسنات) وجاء عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم كما عند أحمد( الخيل ثلاثة : ففرس للرحمن و فرس للشيطان و فرس للإنسان فأما فرس الرحمن فالذي يربط في سبيل الله فعلفه و روثه و بوله في ميزانه و أما فرس الشيطان فالذي يقامر أو يراهن عليه و أما فرس الإنسان فالفرس يرتبطها الإنسان يلتمس بطنها فهي ستر من الفقر) وجاء في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة) وفي رواية كما عند ابن حبان في صحيحه ( وأهلها معانون عليها والمنفق عليها كالباسط يده بالصدقة).

ثانيًا:قوله تعالى{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} ثم يمتن سبحانه بهذه الآيات بما ينزله من السماء من ماء الذي يكون به حياة الناس ومايحصل به من الشجر الذي يكون فيه رعي للدواب والأنعام، ومايحصل به من إنبات الزرع والزيتون والنخيل والأعناب وكل الثمرات، وكل ذلك آية لمن أراد التفكر، ثم يمتن سبحانه بالليل الذي به اللباس والسكون والسبات، والنهار الذي به المعاش، وهذه الكواكب من شمس وقمر ونجوم، ثم امتنان آخر بما خلق في هذه الأرض التي منها الخلق والإعادة والإخراج( منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى) ومافيها أيضا من معادن ونباتات وجمادات.

ثالثًا:قوله تعالى{وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ}

ثم يمتن سبحانه بتسخيره للبحر ومافيه من الأسماك وأكلها أحسن مايكون من لحم طري واستخراج اللؤلوء والجواهر مما يكون فيه حلية وزينة، وما سخره من هذه السفن التي تركب وتجري فيه، ثم منة أخرى وهي ما ألقاه من هذه الجبال الراسية التي بها تثبيت الأرض كما قال تعالى{ والجبال أرساها}قال علي رضي الله عنه: (لما خلق الله الأرض قمصت ومالت وقالت: أي رب! أتجعل على من يعمل بالمعاصي والخطايا، ويلقى على الجيف والنتن! فأرسى الله تعالى فيها من الجبال ما ترون وما لا ترون)،ومما امتن به سبحانه الأنهار والطرق والعلامات التي تدل على الطرق والنجوم الذي بها هداية الطريق كما أنها زينة للسماء.

ثم بين سبحانه أن نعمه أكثر من أن تحصى، وكل النعم هي من الله جل وعلى كما جاء في قوله تعالى في هذه السورة{وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ}.

رابعا:قوله تعالى{وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}

{وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ}ثم أكد سبحانه على نعمة الماء ومايكون به إحياء الأرض،وأكد على نعمة الأنعام وبين قدرته سبحانه وامتنانه بما يخرج من بين الفرث والدم من اللبن الخالص السائغ للشرب، وأيضا امتن سبحانه بالثمرات من النخيل والأعناب الذي يتلذذ به الأنسان.

ثم امتن سبحانه بالنحل التي بها سميت هذه السورة، فأوحى إلى النحل وحي إلهام باتخاذ الجبال بيوتا تأوي إليها ومن الشجر فهي تبني بيوتا محكمة في غاية الإتقان، ثم علمها سبحانه أن تأكل من الثمرات وسخر لها الطرق، ثم تأتي الغاية من ذلك وهي أن يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه منه الأصفر والأبيض والأحمر، فيه شفاء للناس أي مايخرج من بطونها من العسل فيه شفاء من الأدواء.

ثم امتن سبحانه بأن جعل لنا من أنفسنا أزواجا نستأنس بها وجعل من ذلك البنين والحفدة وهم أولاد البنين.

خامساً: قوله تعالى{وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}وقال{وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ}ثم يمتن سبحانه على عباده بأن أخرجهم من بطون أمهاتهم أطفالا لايعلمون شيئا فسخر لهم جوارح التعلم من السمع والأبصار والأفئدة.

وامتن سبحانه بالسكن وما سخره من جلود الأنعام من الأصواف والأوبار والأشعار مما يتخذ أثاثا ومتاعا.

وامتن سبحانه بأن جعل لنا ظلالا من الشجر نتقي به حر الشمس، وامتن سبحانه بأن جعل لنا من الجبال القاسية أكنانا نأوي إليها ونتحصن بها، كما امتن علينا بالسرابيل من الثياب وغيرها مما يتقى بها الحر ومما يتقى بها من البأس من الحديد وغيره.

وبعد: فإن ذلك بعض نعم الله علينا وهي كثيرة جدا، وقد حاولت الاختصار قدر الإمكان وإلا فبعض هذه النعم عالم عجيب كعالم البحار والجبال والنجوم ومن يغوص فيها فإنه لن ينال منها إلا الشي اليسير{وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} ولذا نرى التخصصات في الجامعات ومايحصل في العلم بها من البحوث والتجارب الشي الكثير، رزقنا الله وإياكم شكر نعمه وزادنا من فضله إنه جواد كريم وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.


الشيخ عبدالعزيز بن أحمد السلامة
قاضي محكمة الأحمر
كاتب في صحيفة الأفلاج الإلكترونية
زيادة حجم الخطزيادة حجم الخط مسحمسح إنقاص حجم الخطإنقاص حجم الخط
إرسال لصديق
طباعة
حفظ باسم

التعليقات

التعليقات ( 0 )

التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 05:44 صباحًا الأربعاء 14 ربيع الثاني 1441 / 11 ديسمبر 2019.