• ×
  • تسجيل

وداعآ أيتها الغالية  

 65535  0  2.3K
وداعا أيتها الغالية
حملتني قدماي... لست أدري إلى أين؟ ولكني وجدت نفسي أمام بيت أعرفه... هو في خلدي لا أنساه... هممت أن أنزل من السيارة... وفتحت الباب... ثم عدت أدراجي... ما الذي حصل لي؟ لست أدري...
إنه منزل الغالية والحبيبة... لكني أعرف أنها انتقلت إلى مكان آخر...
ودارت في نفسي وخلدي أشجان وأفكار ومشاعر قد اختلطت بهموم وآلام قد نكأها هذا المكان....
سبحت في هذه الأفكار برهة من الزمن... ولم أفق منها إلا وأنا هناك...
حيث منزل الغالية والحبيبة... أجد نفسي أمامها وهي في سكنها ساكنة..
في ذاك القبر الساكن الهادئ...
إيهٍ أيها القبر ، مني لك سلام... سلام مشوب بحزن وألم في الفؤاد...
أيها القبر الشامخ، إن بداخلك أمانة فاحفظها لي... ووداعة فاستودعها ربك...إن عندك حبيبا يكاد القلب يتفطر لفراقه... حبيبا ليس كالأحبة...
أيها القبر الحنون، كن بها حنونا رحيما لطيفا... فقد كانت لي كذلك... رحيما حنوا لطيفا...
إذا غبت لا تهدأ نفسها حتى تسمع كلامي وأعدها بالرجوع عاجلا... حتى إذا رجعت إذا بها تنشد الأشعار... ويتهلل وجهها المشرق فرحا بالقدوم... مع ما تعانيه من أمراض كثيرة تنهشها من كل صوب وحدب...
ثم أدنو منها فأقبل جبينها وألثم يديها ورجليها... ثم أسأل عنها وأخبارها.... ولاتكاد تسعها الدنيا في هذه اللحظة...
ثم أجلس بجانبها وأضع يدي على كفها وأنشدها أخبارها وأحوالها.. فتقص علي ماحصل وماكان...
وتنشد وتقول:
شوفتك تريف القلب ومشاهدك عيد
وأن أشهد إن مقابل العذب جنة..
أما الآن أيها القبر الخاشع، فقد حُلْت بيني وبينها....
إن جئتُ مسلما عليها وداعيا لها ومترحما عليها؛ فإني لاأسمع ردها... وقد كانت ترد علي .. ولا أرى محياها وقد كنت أسعد بمرآه... أما ألان فقد حرمتني ذلك كله...
أيها القبر العظيم، سأرحل وأترك عندك لي أمانة؛ فاحفظها بحفظ الله... وارعها يارعاك الله....
ولكني أعدك أني سأعود زائرا للحبيبة والغالية ماحييت الدهر.. وما ساعدني الوقت والعمر... سأعود وأكرر الزيارة والسلام والدعاء....
أماه لا أكون لك ابنا ولاتكوني لي أما إن أنا نسيتك ماحييت... وليعلم التاريخ أنك أنجبت أبناء لاتغيب ذكرى أمهم عن خاطرهم ماحييوا ..
سأذكرك عند كل بزوغ شمس...وعندما تتوسط في كبد السماء ... وعند تودع أهل الأرض في وقت المغيب...
سأذكرك في تلك المواقيت لأني كنت أرى فيها محياك البشوش... وأسعد لمرآك الحنون... وأستبشر بحديثك الماتع... وأصغ إلى تاريخك المجيد وأنت تحكينه لي بكل ثقة واقتدار؛ كالفارس المغوار عندما يؤب فيقص على حبيبته مغامراته والأحداث الجسام التي مرت عليه... وكيف نجاه الله من تلك السهام...
في هذه الساعات كنت في قمة سعادتي وأنا قريب منك....
سأذكرك ماغرد قمري على فنن... وماحنت شارف على ضِئر... ومابزغ نجم وغاب...
إن غادر الطير عشه وأرضه بحثا عن الرزق؛ فلربما عاد إليه يوما...
وإن حلّ الغريب دياراً ليس فيها أهله؛ فلربما عاد إليهم يوما...
وإن تقرحت أجفان الحبيب بكاء وشوقا لحبيبه؛ فلربما كان اللقاء يوما..
وإن نخل الفقير فقرٌ وقلةُ زاد وضيق عيش؛ فلربما استغنى يوما...
أما أنا وإن بكيت الدهر كله على فراقك؛ فلن تعودي لي يوما..!
أُمّاه، ستبقى صورتك أمام ناظري لاتغيب عنه... وستبقى ذكراك عالقة في خلدي وفي قلبي مثول الجبل الأشم أمام الأعاصير وصروف الدهر...
أُمّاه، طيبي خاطرا... فلك مع كل سجود دعوة... وفي كل صلاة دعوة... ولك عند كل شروق شمس دعوة... وعند كل غروب شمس دعوة...ولك عند ذكراك دعوة...ولك مني دعوات في ساعات من الليل والنهار متفرقات...وأشياء أخرى أنت تعرفينها؛ فمنك تعلمتها... وفي دفاترك قرأتها... ومن سجاياك النبيلة أخذتها...
ابنك: محمد
1/6/1433هـ
زيادة حجم الخطزيادة حجم الخط مسحمسح إنقاص حجم الخطإنقاص حجم الخط
إرسال لصديق
طباعة
حفظ باسم

التعليقات

التعليقات ( 1 )

  • #1
    بواسطة : الشجون
    06-07-1433 10:42 مساءً
    مازلت تدعو لها؛وأنا مازلت ادعو لك ولها؛لأنها ربت رجلا على مر الأجيال0
    النبل نراه فيك0
    والأخلاق أنت أزهارها0
    (طالبك المخلص)
التعليقات ( 1 )

  • #1
    بواسطة : الشجون
    06-07-1433 10:42 مساءً
    مازلت تدعو لها؛وأنا مازلت ادعو لك ولها؛لأنها ربت رجلا على مر الأجيال0
    النبل نراه فيك0
    والأخلاق أنت أزهارها0
    (طالبك المخلص)
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 01:42 مساءً السبت 20 صفر 1441 / 19 أكتوبر 2019.