• ×
  • تسجيل

الحضارة الإلكترونية

 3  0  2.4K
لم تعد لغة الجسد حيّة كما كانت ، بل تضاءلت واضمحلت حيويتها وفاعليتها ؛ لأن لغة التخاطب والحوار أصبحت لغة عن بعد ، لأن في كل المناسبات يتناول الحوار عبر وسائل مختلفة ، جامدة في ذاتها ، قليلة العاطفة ، عديمة الإحساس لا تحمل أية مشاعر رغم طواف الكلمة بتأني وديمة ، تدار بينهم لغة سقيمة ، جافة ولأن الكلمة بحد ذاتها صارمة مهنده المنطلق وصهيلها يرعد لذلك تصل وتغرد حبال الوصل فتدور عجلة الحوار هنا وهناك حتى أنشأت بتلك الوسائل العقيمة الحسّ مجتمعا ً إليكترونيا جافاً يخلو من الاحتواء ,وتنعدم فيه لغة سلوك التخاطب والحوار الأساسية أيا كانت وتترأس فيه غزو الحروف وهي تعكس أفكار من يبرمجها ومن يبرهن عليها ومن يتخذها لغة حوار ألا إنه لا يمكن أن يضع بها بصمات صدقه وخلفية مشاعره بل يبث ما يمليه عليه فكره التي تنبئ عن شخصه حتى وإن حاول أن يُغيّب سمات تلك الشخصية بتقمص كلمات أخرى ينفس بها عن غاياته وأهدافه ويرسم خطوط لها ومسارات قد تخالف ضميره وما يحمله قلبه من قيم ,لغة الجسد تتصدر وتكون حاضرة ويفطن لها الآخر حتى وإن خالفت كلمته التي تنطلق من لسانه يلتمس ويتحسس اهتمامه وصدقه من عدمه قطعا وجزما من لغة جسده وإشاراته وانعطافاته كلها تكشف للآخر وتترجم له عاطفته وانفعالاته وهذا لا يحصل عبر الوسائل الإلكترونية ، تلك الوسائل التي أوصدت كل المشاعر إيجابياتها وسلبياتها في سجن ضائع مفتاحه , ، وجعلت الخيال يعلو الأذهان وصور حروفهم بهوى المتلقي وليس الكاتب ,أما الجانب الإيجابي والذي أرى إشعاع نوره أضاء أجواء المجتمع وخلف مساحات خضراء من الاستيعاب والفهم والعلوم والمعارف بانغماسهم بالتصفح الإلكتروني فأدركوا مدى لذة العلم ونهضت به الأفكار الفذة والهمم المشتعلة وبلا شك جرت بها الفائدة حداء فكره وعقله فاستمتعوا بالقراءة وكسروا قاعدة العزوف عن القراءة بنشاط القراءة الإلكترونية فزادت ذائقتهم الأدبية وحصيلتهم العلمية , وترجع أسباب انحيازهم للقراءة الإلكترونية دون القراءة الورقية إلى إن الأولى تملك الإثارة والإغراء ومقومات الجذب من تصفح ومن صور وتمكن الانتقال السريع والتغيير من مجال لآخر وأهم من ذلك الحافز القوي الذي شدّهم إلى القراءة هو التفاعل الحيّ حيث إمكانية الرد السريع والتجاوب وذلك من خلال حوار ما أو قضية شائعة , فتنمو لديهم ذائقة النقد على العكس من الكتاب الورقي الذي يئن غربة من عزوف الناس عنه لفقره لمغريات الجذب والشد ولكنه مازال يمتلك الفائدة العظيمة التي جعلته على مرور الزمن يقبع على قمة هرم المعرفة ، والإنغماس الحاصل في التصفح الإلكتروني يستنزف الوقت مما يؤدي بصاحبها أن يقع في هزلية وتعسف سلوك الحضارة الإلكترونية ,التي تنأى به وتبعده عن الحضارة الإجتماعية والإنسانية القويمة , وبذلك يهزل وتنحط مشاعره وأطروحاته , وهذا خلاف المنهج المتكامل للحضارة الإلكترونية القويمة المصقلة بالحياة الإنسانية والإجتماعية الغراء ؛ وذلك لان في مخالطة ومعايشة هذه الحضارة المتأصلة يكون في فضاء واسع ورحب لصقل التهذيب القويم .


عبدالعزيز عبدالله الزير
كاتب في صحيفة الأفلاج الإلكترونية
زيادة حجم الخطزيادة حجم الخط مسحمسح إنقاص حجم الخطإنقاص حجم الخط
إرسال لصديق
طباعة
حفظ باسم

التعليقات

التعليقات ( 3 )

  • #1
    بواسطة : ابو سعيد
    11-29-1433 04:26 مساءً
    خيرًا لو سألت نفسك عن الجمود لزمك أن تقول لنا بأن مقالك جامد عاطفته باهته كونه اتجه للجدية الصرفة واستخدم لغة الصرف صعبة المنال عن أفهام كثير من مرتادي ما سميته بالمشجع المثالي ( الأنترنت) مع أنني لا أجد ضيرًا في الاعجاب بطرحك بعيدًا عن صعوبته وفقك الله .
  • #2
    بواسطة : مستمع
    11-29-1433 06:48 مساءً
    كلام جميل وبحث رائع
  • #3
    بواسطة : خالد الناصر
    11-29-1433 10:08 مساءً
    مقال جذاب ومتوازن لإيصال الهدف، أبدعت أيها الكاتب بعضنا يقضي أوقاتا وأوقاتا على الانترنت فيضيع هدفه المنشود.. شكرا لك.
التعليقات ( 3 )

  • #1
    بواسطة : ابو سعيد
    11-29-1433 04:26 مساءً
    خيرًا لو سألت نفسك عن الجمود لزمك أن تقول لنا بأن مقالك جامد عاطفته باهته كونه اتجه للجدية الصرفة واستخدم لغة الصرف صعبة المنال عن أفهام كثير من مرتادي ما سميته بالمشجع المثالي ( الأنترنت) مع أنني لا أجد ضيرًا في الاعجاب بطرحك بعيدًا عن صعوبته وفقك الله .
  • #2
    بواسطة : مستمع
    11-29-1433 06:48 مساءً
    كلام جميل وبحث رائع
  • #3
    بواسطة : خالد الناصر
    11-29-1433 10:08 مساءً
    مقال جذاب ومتوازن لإيصال الهدف، أبدعت أيها الكاتب بعضنا يقضي أوقاتا وأوقاتا على الانترنت فيضيع هدفه المنشود.. شكرا لك.
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:55 صباحًا الأحد 18 ربيع الثاني 1441 / 15 ديسمبر 2019.