• ×
  • تسجيل

عجبت لعجوز وشايب

 1  0  1.5K
قابل زميله وتصافحا وتبادلا التحايا والسلام... ثم استرسل في الحديث... ما أخبار الشايب والعجوز؟ ورد عليه: أبشرك هما بخير وعافية والحمد لله، وقد جئت منهما للتو... ثم أكملا حديثهما وتفرقا...
استوقفني هذا المشهد وهذه التحايا لا سيما سؤاله عن الشايب والعجوز... أما أنا فأيقنت أنه يعني أمه وأباه...
عندها أخذت مقعدي في أحد المقاعد التي أنتظر فيها دوري للدخول على الطبيب... ثم سللت من جيبي ورقة وقلما طالما رافقني في دربي... وبدأت أهمس لنفسي بماذا سأعلق على هذا المشهد...؟ وبماذا سيسعفني قلمي ومداده؟
إن التلطف بالحديث مع الآخرين... وحسن الحديث واختيار الألفاظ الجميلة المفرحة المدخلة للسرور على النفس، أمر تعشقه النفوس وتميل إليه الفطر السليمة... وقد حث عليه ديننا العظيم ﭽ وقولوا للناس حسنا ﯴ ﭼ البقرة: ٨٣ ومن ذلك أن المسلم إذا لقي أخاه يًلقي عليه السلام، بقوله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فالسلام اسم من أسماء الله الحسنى، يُدخل السلام والاطمئنان والراحة على النفس، ثم تتلوه الرحمات والبركات من الله،ما أجمل هذا الدين وأروعه.
تخيل شخصا يدخل عليك دارك فلا يلقي عليك السلام، ويجلس في زاوية الدار، ماذا شعورك تجاهه؟ بخلاف لو سلم وألقى التحية وسأل عن الحال، حتى ولو كان قد أضمر شيئا من شر سيخف ذلك أو يزول بفضل الله ثم بفضل هذا الاسم العظيم والتحية العظيمة التي خص الله هذه الأمة بها.
والكلمة الطيبة واللفظة الجميلة المُبهجة جزاؤها الوقاية من النار.
يقول الحبيب(صلى الله عليه وآله وسلم) «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ»
ما أعجب أمرك أيها الابن!!!
هذان الوالدان أفنيا عمرهما وصحتهما وضحيا بوقتهما وراحتهما من أجلك أنت أيها الابن...
الأم حملتك تسعة أشهر... تأكل وتتغذى على أجود طعامها... وينبت عظمك لِيَرِقَّ عظمها... وما يتلوه من أوجاع وسهر وحمى حتى إذا جاءت الولادة... جاءت سكرات الموت معها... وجاءت الطلقات الحارة الموجعة وكأنها خروج روحها...فهاهي حتى آخر لحظة من وجودك في بطنها تتعذب لتخرج أنت للدنيا سالما معافى بإذن الله... حتى إذا رأتك بجوارها لم تعد الدنيا تسعها من الفرح ونسيت كل تلك الآلام التي مرت بها... ثم نظرت إليك وابتسمت ثم ضمتك إلى صدرها وهي في قمة سعادتها...
ثم جاءت مرحلة أخرى جديدة لا تقل عن سابقتها في التضحية والصبر...
بدأت ترضعك من حلو لبنها... وقامت على شؤونك الخاصة... فأزالت القذر عنك بيديها وهي تبتسم فرحة جذلانة... من يفعل لك ذلك كله ياترى غير هذه الأم الرحيمة؟
ثم باركت حياتك كلها وصبرت وصابرت معك في سراء وضراء حتى كبرت وصرت رجلا تدرك الأمور وتعرف كل شيء...
هذه الأم ببساطة...
أما والدك فقد ضحى بوقته وصحته وراحته ليربيك ويوجهك للخير وما ينفعك في دينك ودنياك... فأنفق وقته وبذل ماله لتسعد أنت... ولتلبس أحسن ملبس... وتركب أجود مركب... وتطعم أطيب الطعام... وتتعلم لتحصل على المراتب الجيدة...
فإن آلمك وأوجعك ألم؛ انتقل هذا الوجع إلى أمك وأبيك... فسهرا عليك وأسرعا بعلاجك، ولوتطلب الأمر بذل كل ما يملكانه لفعلا...
هذه رحمات الأبوين؛ رحمة ودعاء وخوف وحب وتضحية... كل ذلك لك أنت وحدك... وكل ذلك يُبذل لك بدون مقابل... ولو سألت أبا أو أما: ماذا تنتظر من جراء عطائك الغير محدود لهذا الابن؟ لأجاب بسرعة فائقة وانشراح صدر: والله لا أريد منه إلا أن ينفع نفسه ويصبح ابنا ناجحا في دينه ودنياه، وليس وراء ذلك شيء...
هذه الحقيقة التي يجهلها كثير من الأبناء(هداهم الله)...
إذا كان الأمر كذلك فلماذا العقوق؟ وقد أوصى الله (عز وجل) ببرهما في كتابه... ولعظم أمر برهما قرنه بعبادته، فقال ﭽ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما ﮱ ﭼ الإسراء: ٢٣
فأين البر عندما يُسأل الابن عن أبيه بـ(الشايب) أو (العُود) وأمه بـ(العجوز) ويرد على السائل ولا يعترض على ذلك.
بل وربما ناداهما بذلك...
إني لأرى ذلك من العقوق، لأمور:
1. إن الله (عز وجل) عندما ذكرهما في كتابه قال: (وبالوالدين إحسانا)
وفي الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ؟ قَالَ: «أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أَبُوكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ»
فمُسمَّاهما الشرعي والأدبي: والدان،وأم وأب.
2. أنت أيها الابن،وأنتِ أيتها الابنة، لو ناداكما أحد الناس بهذه المسميات (شايب وعجوز) لرفضتم ذلك بشدة، حتى لو كنتم تمرون بمرحلة الكِبَر والشَيْبَة.
3. هذه مرحلة عمرية يمر بها الإنسان وهي مرحلة الكبر والشيخوخة والشيبة. فهي وصف للمرحلة وليست وصفا للإنسان ذاته، بمعنى أنه لاينبغي أن يسمى بها بدلا من اسمه أو كنيته (أبو فلان) أو (أم فلان) أو وصفه الحقيقي، كأن يكون أبا أو أما أو والدا أو والدة، أو وصفا مهنيا طَيِّبا(معلم، طبيب ، قاض، داعية..)...
4. إنك عندما تتخاطب مع أي شخص في مثل هذه المرحلة(الكبر والشيبة) كأن يكون مديرك أوذي جاه، فهل تناديه ب(ياشايب) أو (يا العود)؟
أظنك لن تفعل ذلك، بل ستتخير أحسن الألقاب والأسماء والأوصاف التي تحمل التبجيل والاحترام والتقدير لتناديه بها، تستشفها من منصبه أو من أوصافه أوشهاداته، أو أقل تقدير بأبي فلان. فأين هذا من والديك عندما تناديهما؟
5. هناك في بعض الأوساط الاجتماعية تنتشر هذه الأوصاف بينهم، أعني تسمية الشايب والعجوز،
أقول: هذه عادات، والعادة لاتحكم على الشرع وما جاء به الدين بل الشرع يحكم عليها إذا كانت موافقة له أبقاها، كعادة الكرم في الجاهلية جاء الإسلام وأقرها أما عادة وأد البنات جاء الإسلام فأنكرها وحرمها...
فمن هذا المنطلق ينبغي أن نتعود على الصحيح من العادات التي توافق شرعنا وديننا الحنيف ونتخلى عما يخالفه ولو كان من عاداتنا القديمة، فقد حرم الله الخمر، ولما نزل تحريمه ماذا فعل الصحابة (رضي الله عنهم) ؟ أراقوه فورا، حتى أن الطرقات سالت به. استجابة لأمر الله، وتخليا عن العادة التي تعودوها وهي تخالف أمر الله، ولنا في ذلك قدوة.
وهذه العادات تعودها بعض من الناس وتقبلها الأبوان لأنهما سمعاها أبا عن جد وترددت على مسامعهما كثيرا، فأصبحا لاينكرانها.
وأود أن أهمس في أذنك وأقول: حتى ولو كنت في مثل هذه الأوساط، فلا تناديهما بهذه الألفاظ، فإني أشعر أن الأبوين يتألمان في نفسيهما وإن سكتا وأضمرا ذلك، استجابة لعادة الوسط الاجتماعي الذي يعيشان فيه، جرب معهم الألفاظ الأخرى الجميلة المبهجة التي تشعرهما بكيانهما وبالسعادة الداخلية... و تدخل عليهما الغبطة والفرح والسرور.
6. تفحص جوالك وافتح أيقونة الأسماء؛ ثم افتح رقم جوال زوجتك أو صديقك، ما التسمية تحت هذا الرقم؟ طبعا سيكون رومنسيا رائقا جميلا جذابا... فيه مثلا (حبيبتي- غاليتي عمري...) والصديق( أحسن صديق- صديق الروح- صعب أنساه...)
لكن ماذا تحت مسمى والدك ووالدتك؟ فيه أناس كثر يضعون أجمل الأسماء وأحسنها،(أبي تاج رأسي- أمي جنتي-أمي الغالية- أبي فرحتي- أمي قمر حياتي- أبي بنك غلاي) وهذا كثير والحمد لله... ولكن هناك أيضا فئة لهم تسميات لاتليق( الشايب-تحقيق-تأخرت عن البيت- مزعج) فهذا لايليق بمقام الوالدين...
فأين البر للوالدين حينما يكتب لهم تحت أرقامهم هذه الألفاظ النابية، ويكتب تحت رقم الزوجة والصديق أجمل الأسماء وأحسنها. أتمنى أن تبقى الأسماء الجميلة للزوجة والصديق ولايتحول لغيرها، لكن الأهم هؤلاء الوالدان الذين أنت جزء منهم ، من دمهم ومن جيناتهم ، قطعة من ذواتهم،وتنتمي إليهم حسا ومعنى وتحمل اسمهم في الدنيا فتنادى باسم أبيك، وكذلك في الآخرة تنادى ، يافلان ابن فلان اسمك في الدنيا...
إني في حديثي هذا أدعو إلى التلطف مع والدينا كما أمر الله ببرهما ﭽإما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما ﮱ ﭼ الإسراء: ٢٣
فنهى عن قولك(أف) وهي كلمة تضجر من الشيء، ولاتنهرهما: أي تزجرهما باللفظ أو اللحظ، أعني باللحظ: بعضا من الأبناء يسلط نظره على والديه كأنه يرى عدوا أمامه يريد أن ينتقم منه،
ثم قال: وقل لهما قولا كريما، ما أجمل هذا السياق وألطفه، قولا كريما، غير فاحش ولا بذيء ،قولا لطيفا مهذبا به إدخال السرور إلى نفسيهما، فيه إشعار بفضلهما وكرمهما السخي المبذول لك بلا حدود ولاشروط. أنت هنا الآن ترد لهما ذاك الكرم بكرمك في لفظك ، قولا كريما... فهل يستحق الأبوان أن نجازيهما بكرمهما السخي بأقل من اللفظ الكريم؟ فنناديهما بما لم يسميهما الله ولا رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم).!!
أيها الابن الغالي، والابنة المباركة،
ناديهما بأحب ما يسمعانه من مسمى يليق بمقامهما: الوالد... الوالدة... والدي الغالي... والدتي الغالية... الأم الحنون، الأب الكريم ، وهكذا... فإدخال السرور على قلبيهما من أعظم البر بهما.
ولا ترض لأحد أن يصفهما بأقل من ذلك، فإن قيل لك ما أخبار الشايب والعجوز؟ فقل: ليس عندنا ذلك، وإنما عندنا والد غال، ووالدة غالية، وعندنا كنز عظيم وجوهرة ثمينة... وأب نحبه، وأم في قلوبنا. وهكذا.
هذا من أبسط الوفاء والبر لهما. أنا هنا لا أتحدث عن مجالات البر بالوالدين، فهذا بابه واسع، ولكني أخص بحديثي ببرهما في مناداتهما والتخاطب معهما في الحديث بأن يكون بأحسن الألفاظ وأجملها وألطفها وأحبها إلى سمعهما ﭽفلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريماﭼ؛ لتُدخل عليهما السرور والبهجة والسعادة وفاء لهما كما فعلا بك منذ كنت صغيرا حتى كنت هذا الرجل.

محمد بن سعد آل زعير
1/8/1434هـ
كاتب في صحيفة الأفلاج الإلكترونية
زيادة حجم الخطزيادة حجم الخط مسحمسح إنقاص حجم الخطإنقاص حجم الخط
إرسال لصديق
طباعة
حفظ باسم

التعليقات

التعليقات ( 1 )

  • #1
    بواسطة : خالدالدوسري
    08-07-1434 10:18 صباحًا
    حلو بنك حياتي والله اني لأعدل يادكتور محمد أنت دائما مبدع ويحق لي أن أفتخر بأنك كنت معلمي ذات يوم
التعليقات ( 1 )

  • #1
    بواسطة : خالدالدوسري
    08-07-1434 10:18 صباحًا
    حلو بنك حياتي والله اني لأعدل يادكتور محمد أنت دائما مبدع ويحق لي أن أفتخر بأنك كنت معلمي ذات يوم
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:51 صباحًا الخميس 15 ربيع الثاني 1441 / 12 ديسمبر 2019.