• !
د : نايف الوقيان

المقاصد الشرعية في القرارات الملكية (الحلقة الأولى)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحلقة الأولى من حلقات: ( المقاصد الشرعية في القرارات الملكية).
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد:
فإني أثني على الله بما هو أهله وأشكره على ما منّ به علينا في هذه البلاد من نعمة الإسلام التي تفوق كل نعمة، و من نعمة التآلف والترابط التي هي سبب كل منّة، رغم أراجيف المبطلين ونعيق الحاقدين: (هوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعاً مّآ أَلّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلََكِنّ اللّهَ أَلّفَ بَيْنَهُمْ إِنّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}(الأنفال الآية 62، 63)
إن هذا الترابط وهذا الإستقرار والأمن الذي نعيشه في بلادنا حرسها الله- ناتج عن تمسكنا بشريعة الله وتحاكمنا إليها، بدءاً من عقيدة التوحيد وانتهاء بكل خلق فاضل دعانا إليه ربنا في كتابه، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم في سنته، ومما يدل على هذا نفوذ الإسلام وقوته في بدايته؛ حيث واجه أقوى عدة وعتادا وسلاحا من قوى الإمبراطوريتين الرومانية والفارسية اللتين عاصرتا بدء الإسلام، وخلال فترة قليلة من الزمن، وفي القرن الأول الهجري، بدأ المنهج الإسلامي يخلف على المستوى العالمي- النظام الروماني القديم، واستطاعت قيم الإسلام ومفاهيمه أن تسيطر على شعوب وأجزاء كبيرة من المعمورة، وهو أمر لا ينكره المنصفون من العلماء والمؤرخين.
فالسيطرة على الشعوب لايمكن استدامتها عن طريق القهر لمدد طويله، ولكن التأثير الحضاري يمكن أن يمتد لمئات السنين.
إن هذه العواصف والأمواج التي تعصف بمن حولنا ناتج عن تخليهم عن المنهج الرباني، وطغيان الظلم الذي يسقط الدولة المسلمة كما أن العدل يبقي الدولة ولو كانت كافرة كما هي سنة الله -سبحانه-.
فبلادنا -بإذن الله- محروسة بسلاح الإسلام فمع هذه العواصف نرى القوة والثبات، المتوّج بقرارات شرعية جاد بها خادم الحرمين الشريفين حفظه الله- ؛ ليؤكد بها منهجنا الشرعي، الذي ارتضيناه منذ تأسيس البلاد وهو سر وجودنا وقوتنا.
فأكد بهذه الأعطيات تطلعات الرعية التي هي والله- أعطيات عظيمة، وليست مستغربة على ولاة هذه البلاد.
إن حطام الدنيا يذهب، ومتاعها يزول، لكن العطاء الحقيقي من الوالي للرعية هو حفظ دينها الذي هو حياتها الحقيقية: { قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ }(يونس الآية 58)
خير من متاع الدنيا ولذاتها، فنعمة الدين المتصلة بسعادة الدارين، لا نسبة بينها وبين جميع ما في الدنيا، مما هو مضمحل زائل عن قريب.
يقول صلى الله عليه وسلم- كما في صحيح البخاري: ( فوالله ما الفقر أخشى عليكم؛ ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان من قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم).
قد فرح من فرح بالعطايا المادية وحق له أن يفرح؛ لكن الفرح الأكبر هو بهذه الأعطيات الشرعية التي تؤكد المقصد الأول من مقاصد الشريعة وهو: حفظ الدين.
وبهذا يؤكد خادم الحرمين -وفقه الله- هويتنا، ويعلنها أمام العالم، ويرفع بها رأسه، ويقولها بفخر واعتزاز، وحق له ذلك فهو سليل مجد وخير:
فما كان من خير أتوه فإنما توارثه آباء آبائهم قبل
وهل ينبت الخطي إلا وشيجه وتغرس إلا في منابتها النخل
إن هذه القرارات التي عزز بها المؤسسات الشرعية لهي السلاح الحقيقي أمام التحديات التي تواجه هذه البلاد، فصِمام الأمان هو حماية الدين، ومن أوجه الحفظ والحماية؛ إظهار أحكام الإسلام وشعائره، وجعله مهيمنا على الحياة كلها، وبهذا نسد الباب أمام أهل الأهواء المنحرفة، والمذاهب الهدامة، والأفكار الضالة، ونقطع الوسائل التي يتذرعون بها، ونجهض مخططاتهم وانتهازيتهم.
إن هذه القرارات الحكيمة تقوي العلاقة بين الراعي والرعية، التي بها يحصل الأمن والاستقرار، ونلجم أفواه الناعقين، وكيد المتربصين الحاقدين الذين امتلأت قلوبهم حسدا لهذه البلاد، ففوت - حفظه الله الفرصة عليهم:
فدتك نفوس الحاسدين فإنها معذبة في حضرة ومغيب
وفي تعب من يحسد الشمس نورها ويجهد أن يأتي لها بضريب
إن هذه القرارات الثرية الثقيلة المليئة بالبشائر ليست قرارات مرتجلة؛ إنها قرارات حكيمة مدروسة تثمر بعطاء مستمر، وخير متدفق على أهل هذه البلاد وعلى المسلمين جميعا، وهي تحقق غايات وحكم نبيلة.
حق لنا جميعا أن نتأملها ونقرأها قراءة متأنية، وسوف أخصص لها حلقات أسميها: ( المقاصد الشرعية في القرارات الملكية)
و أهدف من هذه الحلقات إلى ما يأتي:
1- إبراز حرص الوالي على سريان أحكام الشريعة في هذه البلاد.
2- ربطها بمقاصد الشريعة التي اعتنى بها علماء أصول الفقه.
3- تأكيد هويتنا الإسلامية وتميزنا أمام العالم.
وهذا الموضوع متشعب وطويل؛ لكن لكون هذه الكتابة عبارة عن مقالات فسأراعي الاختصار؛ لمحدودية الوقت و المساحة المطلوبة، فطبيعة المقالات تختلف عن الكتابات البحثية المتخصصة.
هذه المشاركة بقلمي المتواضع أسهم بها في هذه الصحيفة المحلية إهداء لإخواني القراء محبي العلم والثقافة، ولا أحسب أني أطرح جديدا؛ ولكن إضاءات فقهية في بيان مقاصد الشريعة وقواعدها التي تضمنتها هذه القرارات المشعة بنور الإيمان المبهجة لأهل الإسلام والله المستعان وعليه التكلان.
وإلى اللقاء في الحلقة الثانية.








الدكتور : نايف بن عمار الوقيان
وكيل كلية العلوم في الأفلاج
كاتب في صحيفة الأفلاج الإلكترونية
:nawd1432@gmail.com
 6  0  2984

الأعضاء

الأعضاء:14,167

الأعضاء الفعالون: 14,167

انضم حديثًا: habiba elola

المتواجدون الآن: 1749

أكثر تواجد للأعضاء كان 6,411 ، يوم 04-12-1441 الساعة 02:06 مساءً

( 1 عضو 1748 زائر )