• !
عبدالعزيز الزيــر

الحضارة الإلكترونية

لم تعد لغة الجسد حيّة كما كانت ، بل تضاءلت واضمحلت حيويتها وفاعليتها ؛ لأن لغة التخاطب والحوار أصبحت لغة عن بعد ، لأن في كل المناسبات يتناول الحوار عبر وسائل مختلفة ، جامدة في ذاتها ، قليلة العاطفة ، عديمة الإحساس لا تحمل أية مشاعر رغم طواف الكلمة بتأني وديمة ، تدار بينهم لغة سقيمة ، جافة ولأن الكلمة بحد ذاتها صارمة مهنده المنطلق وصهيلها يرعد لذلك تصل وتغرد حبال الوصل فتدور عجلة الحوار هنا وهناك حتى أنشأت بتلك الوسائل العقيمة الحسّ مجتمعا ً إليكترونيا جافاً يخلو من الاحتواء ,وتنعدم فيه لغة سلوك التخاطب والحوار الأساسية أيا كانت وتترأس فيه غزو الحروف وهي تعكس أفكار من يبرمجها ومن يبرهن عليها ومن يتخذها لغة حوار ألا إنه لا يمكن أن يضع بها بصمات صدقه وخلفية مشاعره بل يبث ما يمليه عليه فكره التي تنبئ عن شخصه حتى وإن حاول أن يُغيّب سمات تلك الشخصية بتقمص كلمات أخرى ينفس بها عن غاياته وأهدافه ويرسم خطوط لها ومسارات قد تخالف ضميره وما يحمله قلبه من قيم ,لغة الجسد تتصدر وتكون حاضرة ويفطن لها الآخر حتى وإن خالفت كلمته التي تنطلق من لسانه يلتمس ويتحسس اهتمامه وصدقه من عدمه قطعا وجزما من لغة جسده وإشاراته وانعطافاته كلها تكشف للآخر وتترجم له عاطفته وانفعالاته وهذا لا يحصل عبر الوسائل الإلكترونية ، تلك الوسائل التي أوصدت كل المشاعر إيجابياتها وسلبياتها في سجن ضائع مفتاحه , ، وجعلت الخيال يعلو الأذهان وصور حروفهم بهوى المتلقي وليس الكاتب ,أما الجانب الإيجابي والذي أرى إشعاع نوره أضاء أجواء المجتمع وخلف مساحات خضراء من الاستيعاب والفهم والعلوم والمعارف بانغماسهم بالتصفح الإلكتروني فأدركوا مدى لذة العلم ونهضت به الأفكار الفذة والهمم المشتعلة وبلا شك جرت بها الفائدة حداء فكره وعقله فاستمتعوا بالقراءة وكسروا قاعدة العزوف عن القراءة بنشاط القراءة الإلكترونية فزادت ذائقتهم الأدبية وحصيلتهم العلمية , وترجع أسباب انحيازهم للقراءة الإلكترونية دون القراءة الورقية إلى إن الأولى تملك الإثارة والإغراء ومقومات الجذب من تصفح ومن صور وتمكن الانتقال السريع والتغيير من مجال لآخر وأهم من ذلك الحافز القوي الذي شدّهم إلى القراءة هو التفاعل الحيّ حيث إمكانية الرد السريع والتجاوب وذلك من خلال حوار ما أو قضية شائعة , فتنمو لديهم ذائقة النقد على العكس من الكتاب الورقي الذي يئن غربة من عزوف الناس عنه لفقره لمغريات الجذب والشد ولكنه مازال يمتلك الفائدة العظيمة التي جعلته على مرور الزمن يقبع على قمة هرم المعرفة ، والإنغماس الحاصل في التصفح الإلكتروني يستنزف الوقت مما يؤدي بصاحبها أن يقع في هزلية وتعسف سلوك الحضارة الإلكترونية ,التي تنأى به وتبعده عن الحضارة الإجتماعية والإنسانية القويمة , وبذلك يهزل وتنحط مشاعره وأطروحاته , وهذا خلاف المنهج المتكامل للحضارة الإلكترونية القويمة المصقلة بالحياة الإنسانية والإجتماعية الغراء ؛ وذلك لان في مخالطة ومعايشة هذه الحضارة المتأصلة يكون في فضاء واسع ورحب لصقل التهذيب القويم .


عبدالعزيز عبدالله الزير
كاتب في صحيفة الأفلاج الإلكترونية
 3  0  2413

الأعضاء

الأعضاء:14,165

الأعضاء الفعالون: 14,165

انضم حديثًا: ShannaTom

المتواجدون الآن: 511

أكثر تواجد للأعضاء كان 6,411 ، يوم 04-12-1441 الساعة 02:06 مساءً

( 0 عضو 511 زائر )