• !
ابراهيم الحلوش

عناقٌ حميميٌّ بين روحي وأفلاجها

كنتُ مُضْطربــًا حينما حملتني رياحُ التّعيين إلى الأفلاج في وزارة المعارف آنذاك قبل أربعة عشر عامـًا وكأنّني طفلٌ فقد لعبته المفضّلة ! ، رحلتُ من جازان والاضطراب يحيط بي من كلّ ناحية وسرعان مازال اضطرابي بمعانقة نخيل الأفلاج ومصافحة أهلها الطّيّبين الكرماء الذين أحببتهم حُـبــًّا جَمــًّا ومن فرط حبّي للأفلاج وأهلها كنت أطلب من كلّ صديق يسافر بــَرّاً إلى الرياض أو المنطقة الشّرقيّة أن يبلغ الأفلاج سلامي، لم أكنْ أخبر أحداً في تلك المدينة الجميلة بأنّني أكتب الشعر منذ مرحلةٍ مبكّرة من عمري كي لا يتّهمني أحدٌ بالغواية! وكلّما همَمْتُ أنَ أبوحَ بسرّي يجبرني عبقُ المجنون قيس على الصّمت ويصدحُ في مسمعي السّاهر كاظم مدوزنــًا للعاشق المتفرّد القبّاني نزار : والصّمتُ في حرم الجَمالِ جَمالُ ! فكيف لتلميذٍ مثلي أن يفتخر بشاعريّته في ديار قيسٍ وليلى؟ ديار الشعر والحُبّ والنخيل والاخضرار والعيون التي إنْ جَفّتْ فإنّها مازالت تتوهّجُ شوقــًا وحُبــّـًا واحتفاءً بكلّ زائرٍ لها حينما ينظر إليها بعين قلبه !، فالقلوب تبصر مالا تبصره الأعين!.

كنت أخلو بقلمي وورقتي في الخفاء وأنزوي في غرفتي الصّغيرة لأستمطر بعض أبياتي البسيطة التي لاترقى إلى مستوى الشّعر ، لم يعلم بسرّ موهبتي إلّا صديقي الرّقيق وزميلي الأنيق حمد خريزان - ابن الأفلاج البارّ- ، عندما أوصلني إلى محطّة النّقل الجَماعي بعد إخلاء طرفي من ديار قيس وليلى ! .

بعد عناق صديقي انهَمَرَتْ شلّالات عيوني وودّعته بثلاثة أبيات ٍ ارتجاليّة كتبتها على استحياء في ورقةٍ صغيرةٍ كانت بجيب ثوبي ، أخليت طرفي جسداً ورحلت عن هذه المنطقة الخضراء في كلّ شيء لكنّ روحي لم تزلْ موزّعة ً بليلاها وغيلها وأحمرها وستارتها وبديعها وسيحها وهدّارها وفي كلّ جزءٍ مكوّنٍ لهذه المدينة الأنيقة وفي كلّ تقسيمة عبيرٍ وترتيلة نخلة .

عندما أقول: الأفلاج ، تسرقني غيمةٌ موشّاةٌ بالمطر وتسافر بي لأجتاز الحدود وأنسكب على هذه الأرض لأقبس منها الحياة وأعيش أكثر !.

أجزم لو أنّكم شرّحتم جسدي لوجدتم في كلّ تعويذة من دمي روايةً خضراء اسمها ليلى وقصّة بيضاء اسمها الأفلاج ! ، ومن الأسرار والصّدف الجميلة في حياتي أنّني عُيّنتُ بمدينة ليلى وتزوّجتُ بابنة عمّي ليلى !.

لوأردت أن أكتب عن الأفلاج فعمّن سأكتب ياترى؟

هل أكتب عن أبي يزيد ناصر الفرشان المدير الرّاقي الذي كان صديقــًا للجميع حتى وادي الغيل كان يَبُشّ حينما يوشْوِشُهُ ذهابــًا وإيابــًا؟.

أم أكتب عن أبي برمان ذلك الرجل البشوش جدّاً صاحب الطرفة والقلب الأبيض الشفيف والذي يحضر لنا من مزرعته كلّ يوم أطايب التّمر الدّوسريّ ونترشّف من يده المباركة قهوة الصّباح الممزوجة بنكهة الأصالة.؟.

أم أكتب عن الطّلاب الذين كنت صديقهم في الصّباحات وخليلهم وجليسهم في المساءات برفقة المعلّم الأصيل حمد خريزان ؟.

أم أكتب عن الطّالب خالد عبيد العرجاني الذي زارني بأبها بعد انتقالي إليها ومكث عندي ثلاثة أيّام كصديق وأخ وهو لم يزل في الصفّ الثالث المتوسط آنذاك؟!.

أم أكتب عن الطّالب المتفوّق محمد خريص الذي يعتمد عليه الأساتذة في كثير من الأمور التّعليميّة والتّربويّة ؟.

أم أكتب عن أصدقائي المعلّمين المعيّنين بالغيل ماجد المالكي ومبروك المالكي ويحيى عسيري ومحمدّ الغامدي والذين التقيت بهم في أوّل يوم باشرت فيه مدرسة الغيل المتوسّطة والثّانويّة واتّفقنا على أن نسكن بشقّة واحدة على الشارع العام المؤدي إلى العاصمة الرياض وكنا أكثر من أصدقاء وزملاء ومازلنا متواصلين إلى اليوم ؟.

أم أكتب عن زملائي الأنقياء في ذلك المجتمع والمنتجع المدرسيّ النّقي الذي كنّا ننتظر الصّباح شوقــًا إلى الذهاب إليه بعكس الكثير من مدارس التّعليم المقفرة التي تذهب إليها وكأنّك متّجهٌ إلى الجحيم ؟!.

أم أكتب عن معلّم التربية البدنيّة متعب الحقباني النابض بالكرم والصّدق الذي كان يأخذنا كل أربعاء إلى استراحته عصراً لنمارس كرة القدم وفي الليل يتفنّنُ في تجهيز المندي ، هذا الرجل الكريم جدّاً والمهووس بكرة القدم وبفارس نجد حينما كان فارســًا حقيقيــًّا! ومن شدّة تعصّبه للنصر كان لا يلعب مع الهلاليّين في فريق ٍ واحد ؟!.

أم أكتب عن صديقي وأنيسي عبدالله آل دحيم الذي احتفى بي كثيراً في الأحمر ومازال يغمرني باتصالاته وتواصله وأبهجني أكثر بدعوته لي للكتابة في هذه الخميلة الأفلاجيّة الإلكترونيّة وأذن لعصافير قلبي أن تبوح؟.



بقي أن أقول : اعذروني فقد أطلت عليكم وليسامحني كلّ الأصدقاء الذين لم أذكر أسماءهم في المقال ، لكنّ قلبي يذكرهم واحداً واحداً ، وربّما أبوحُ مستقبلاً بأسرارٍ كثيرةٍ فمقالٌ واحدٌ لا يمكنه أن يبوحَ بكلّ شيء .



همسةٌ خضراء



هناك في (الغيلِ) غنّتْ كلُّ أوردتيْ....وأورق الحبُّ في روحي وفي بدنيْ

تركتُ فيها فمي نبضي مخيّلتيْ....قصــائــدي أغنيــاتي فرحـتـي شجنــيْ







إبراهيم حلّوش

أبها
كاتب في صحيفة الأفلاج الإلكترونية
 10  0  3193

الأعضاء

الأعضاء:14,167

الأعضاء الفعالون: 14,167

انضم حديثًا: habiba elola

المتواجدون الآن: 552

أكثر تواجد للأعضاء كان 6,411 ، يوم 04-12-1441 الساعة 02:06 مساءً

( 0 عضو 552 زائر )