• !
ابراهيم الحلوش

المَرْكَبَاتُ الأسرعُ شيخوخة



نحتاجُ إلى شركةٍ عالميّةٍ متخصّصةٍ في صناعة (السّيــّارات) لتصنع لنا مَرْكّبّاتٍ مزوّدةٍ بعدساتٍ مكبّرةٍ أماميّةٍ ذات قوّة تكبيرٍ هائلةٍ تُوضَعُ بجوار المصباحين الأماميّين كي يستطيعَ قائدُ المركبةِ مشاهدةَ الكثيرِ من الطّرقات التي لاتُرى حدودها بالعين المجرّدة أثناء السّفر ليلاً ! ، فمصباحان أماميّان غير كافيين لكشف مُنــْعَـرَجَاتِ الطرق وحفرها (ومطبّاتها) الكثيرة المختلفة الأحجام والأشكال والأهداف ! والكفيلة بجعل مركبتك تشيخ وهي مازالت في ريعان شبابها ! ولو اتّصلْتَ على المسؤولين في موسوعة (جينيس) للأرقام القياسيّة وقاموا بزيارتك أو أرسلتَ لهم صورةَ مركبتكَ حديثةَ الصّنعِ "وموديلها " لدخلتَ الموسوعةَ من أكبر أبوابها وفزتَ بجائزةٍ تحت بند " المركبة الحديثة الولادة الأسرع شيخوخة " ! ، طرقاتنا قِصّةٌ مأساويّةٌ ليست من النّوع ق.ق.ج ، ولكنّها من النّوع ق.ك.ج ! أبطالها أنا وأنتُم وأنتُنّ! قُـدّرَ لنا أن نخوض غمارها ، يقولون : بأنّ كل الطرق تؤدي إلى روما ! ، إلا طرقاتنا فهي تؤدي إلى قبرٍ وماء ! ، أمّا إن تحدّثت عن الطرق التي تربط مدننا الكبيرة - مجازاً - بالجنوب فهي حكاية أخرى ومسرحيّة أكثرُ إدهاشــًا وجَمالاً وجِمالاً سائبة لم يُكْتشَفْ حُسْنُها بعد ولم يحملها النّصيبُ إلى "أم رقيبة" لتصيب الهدف ! ، لن أكون مجحفــًا بحقّ طرقاتنا إذْ لها فائدة كبرى في تعليمك الصّبر والاحتساب وكظم الغيظ والعفو عن النّاس إلا عن المسؤولين في وزارة النّقل الّذين يردّدون يوميــّا الأغنية الشّهيرة التي صاغ كلماتِها ولّحنَها وشدا بها المطرب الكبير / أبو بكر سالم " يابلادي واصلي" ! ويواصلون أكل النار ! ، أيضا من فائدة طرقاتنا أنّها تنشّط ذاكرتنا لتعود بنا إلى الوراء حينما نسقط في حفرةٍ أو بركة ماء أو أو"برميل" نسيته إحدى شركات الصّيانة أو تركه المرور عندما وضع نقطةَ تفتيشِ سريعة ! وماأكثر تلك "البراميل" وبرك الماء التي تُذكّرُنا بمغامرات " الحصن " تلك التي كنّا لا ننفكّ عن مشاهدتها صغاراً وكباراً ! ،
كلّما رأيتُ طريقــًا يُكْشَطُ بطريقةٍ عشوائيّةٍ تبادر إلى ذهني مباشرة قول الشاعر :
عجوزٌ ترجّي أن تكون صبيّةً...وقد نَحِل الجنبان واحدودبَ الظّهــرُ
تدسُّ إلى العطّار ميرة أهلها...وهل يصلح العطّار ما أفسد الدّهرُ؟!

وأخيراً أنقل لكم شكوى تلك المَرْكَبَة الأمريكيّة الشاعرة التي وجدتها حزينةً تنسُجُ مقطوعةً شعريّةً تواسي بها جرحها الثّاعب ، وتقول بصوت ٍعالٍ:


خُلِقْــتُ بأمريكـــا كنســمـــة ِ فجْـــــــــر ِ
وجئتُ إليكمْ كي أعيشَ مدى الـعُــمْـــــر ِ
ولكنّ حَــيَّـــات الــطّـــــريــــق تقــودنيْ
إلى حُفَر الآهـــاتِ تقصمُ لـي ظــهْـــري
فقدْتُ خـطـيـبــيْ حينــمـا فَـرّ هـــاربـــًا
من الحُفْرةِ الرّقـْـطاء فانداح في القبْر ِ!
وأمّي تُقاسي الضّنْكَ والضّـيـمَ والأسـى
وتلبسُ ثوبَ الهمِّ والحِلْــم والصّبـــْـــرِ
(سئمْتُ تكاليفَ الحــيـــاة ومَنْ يعِشْ)
بعالمِكُــمْ ينسى النّـعــيم إلى الحـشْرِ !
ويسهرُ مـوشومـــًـــا بجُــرْحٍ مُعـَتـَّـقٍ
ولاصـــاحبٌ إلا معاقرة الشــِّـعـْـــرِ !

وعندما انتهَتْ من الشّدو بكَتْ وأبكتني معها !

إبراهيم حلّوش
أبها
كاتب بصحيفة الأفلاح الإلكترونية
 7  0  2595

الأعضاء

الأعضاء:14,167

الأعضاء الفعالون: 14,167

انضم حديثًا: habiba elola

المتواجدون الآن: 1084

أكثر تواجد للأعضاء كان 6,411 ، يوم 04-12-1441 الساعة 02:06 مساءً

( 2 عضو 1082 زائر )