• !
تركي الشثري

قيادة الأفكار

قيادة الأفكار

تركي بن رشود الشثري الاحد 23 رمضان 1435
الإنسان مجبول في جميع ما يقول ويعمل على تحقيق المصلحة ودفع المفسدة وهذان الأمران يعرفان بالشرع ويستنبطان بالعقل الذي هو مناط التكليف وشرط لجميع الأعمال ومنزلة العقل لسنا بصدد التعرض لها والإسهاب في ذلك ولكننا وجدنا علماء الأعصاب يقررون أن الناس يمرون بــ 60000 ألف فكرة خلال ساعات الاستيقاظ كل يوم وبناء عليه فما ستكون عليه حال الأفراد والمجتمعات له ارتباط وثيق بقيادة هذه الأفكار وتوجيهها الوجهة لا أقول السليمة فقط بل اليقظة لهذه الممارسة والاحتفال بها ولا أشك في أن من جملة أسباب تراجع المسلمين حضارياً وتقدم غيرهم في بعض المجالات الاستهتار بمفعول التنبه للأفكار وقيادة الأفكار فالتجريب مثلاً هذا الفتح النهضوي نتيجة لما تفضل به الله من التأمل والسبر والنظر الدقيق في طبائع الأشياء ومحاولة تقليبها على أوجه عدة لتعطي نتائج مغايرة في كل مرة وتنقل البشر من عهد حضاري لعهد آخر مغاير تماماً أيضاً طبيعة العمران وشكل الاجتماع الإنساني تيقظ له ابن خلدون بعدما قاد أفكاره وأخرج تحفة فكرية تعاد وتكرر إلى اليوم ويستفاد منها في توليد الأفكار وقيادة الأفكار كذلك المقاصد وفقهها ووعيها وتعقلها والبحث عنها استدعى وقفة جادة من الإمام الشاطبي رحمه الله ففتح له فيه روزنة إلى علوم شريفة ومعارف لطيفة أيضاً خلاف الناس وتنوع مقالاتهم تعود لأصول وقواعد وضوابط ومقدمات رجع إليها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ولخصها ودونها ثم بسط القول عليها ورد فروعها عليها فسهَّل لأهل العلم من بعده فهم المخالفين ولماذا قالوا ما قالوا وقدموا على ما قدموا ومتى يعذرون ومتى لا يعذرون ووضعاً فقهاً في الخلاف شريفا تنظيراً وتطبيقاً وتيقظ ابن القيم رحمه الله إلى مصدر التصوف وسبب وجوده وبيئاته وأزمانه المختلفة وهضم أقوال كبار الصوفية والعارفين فهذب علم السلوك ووجهه وقاد أفكاره لبر الأمان بكل يسر وسلاسة ، إن لقيادة الأفكار وضبط الأفكار والتيقظ لسير الأفكار وتنقية الأفكار وتقنين الأفكار آثارا عامة في الفرد والمجتمع كما أسلفنا ولم نتطرق هنا للأفكار السلبية وثمرتها الخبيثة على الفرد والمجتمع إنها 60000 ألف فكرة خلال اليوم فماذا عسى أن تكون خصوصاً إذا علمنا أن أغلبها سلبي فطرياً فالإنسان عجول وكفار وهلوع وجزوع فهو مستعد للاكتئاب بأنواعه والهلوسة بأنواعها إلا إذا كان مبادراً لقيادة أفكاره فهو مصل وخاشع في صلاته ( إلا المصلين ) ولا يكون كذلك إلا بالقيادة الماهرة للأفكار والحد من الأفكار ولا يكون كذلك إلا إذا أحسن الظن بالله ( أنا عند ظن عبدي بي ) وهذا بقيادة الأفكار ولا يكون كذلك إلا إذا كان إيجابياً في نظرته للكون والحياة وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه الفأل ولا يكون كذلك إلا إذا حدد هدفه الكبير وأهدافه الصغرى وضبط كل أفكاره لتحقيقها والسعي في مجالاتها ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) ولا يكون كذلك إلا إذا كانت إرادته واحدة وهمه واحدا فهو يريد وجه الله وهمه رضا الله ( ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ورجلاً سلماً لرجل ) إذن لا بد من الحزم مع الأفكار والتصرف فيها وقيادتها فلا تترك تخبط خبط عشواء وتسرح في كل وادٍ غافلة عن ما خلقت له وما أعدت له :
قد هيئوك لأمر لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
قال صلى الله عليه وسلم ( احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز ولا تقولن لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا لكن قل ما شاء الله وما قدر فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان ) فاحرص على الأفكار الخادمة لك واجعلها في بؤرة تفكيرك واطرح غيرها واعمل على ضوء تلك الأفكار؛ فالتفكير شجرة والعمل ثمرة واستعن بالله في ذلك فلا حول لك ولا قوة في قيادة الأفكار إلا به لأنه مصرف القلوب فتسأله أن يصرف قلبك على طاعته ولا تفتح المجال للو فثم باب للشيطان يلج منه إليه فيحزنك وييئسك ويعمل أعماله الشريرة في ذهنك ويقود أفكارك بنفسه ومن قاد الشيطان أفكاره ساءت ظنونه ومن ساءت ظنونه ساءت أعماله، ومن ساءت أعماله ساءت أولاه وأخراه .
تركي بن رشود الشثري
t.alsh3@hotmail.com
talsh3# تويتر
بواسطة : تركي الشثري
 0  0  863

الأعضاء

الأعضاء:14,167

الأعضاء الفعالون: 14,167

انضم حديثًا: habiba elola

المتواجدون الآن: 1393

أكثر تواجد للأعضاء كان 6,411 ، يوم 04-12-1441 الساعة 02:06 مساءً

( 1 عضو 1392 زائر )